خواطر شخصيّة، في الذائقة النغميّة‎: لمَ تراجع النغم الفصيح؟

أمّا أسباب تراجع النغم الفصيح في رأيي فبعضها ما يلي:
اكتفاء أدوات التوصيل، أي الإعلام، بـ صوتٍ واحدٍ تفرضه على الناس، أقصد المستمعين ، دون غيره و أنّ هذا الصوت هو الذي ينبغي أن يُسمع دون غيره، أعني هنا بالصوت الطابع النغميّ. فمثلاً إذا عايننا ما سُجّل في ستّينات القرن العشرين للإذاعة المصريّة، أو السوريّة، أو اللبنانيّة، من موسيقى دارجةٍ أو شعبيّةٍ أو موسيقى منوّعاتٍ أو حتّى موشّحاتٍ وأدوارٍ وطبوعٍ أندلسيّة، نجد “نفس صوت الفرقة”، صف الكمنجات، تشلّو أو اثنين أو ثلاثة، أحدهما نبراً، دبلباس، صفّ الكمنجات أعني به ما تيسّر لهم توفيره: 8 10 12 15 28 36، زيّ ماتيجي معهم، قانون، ناي، و ربما عود و ربما لا، طاقم إيقاع، رقّ وطبلة، ربما بنجز، دفوف لو لزم الأمر، بعض الآلات المحلّيّة كالخشّابة في العراق مثلاً، ما تيسّر من الآلات المستوردة حديثاً آنذاك، غيتار كهربائيّ وأكورديون و أورغ كهربائيّ، صوت مجموعة العزف هذه هو المصاحب لكلّ نمطٍ نغميّ، آليٍّ أو غنائيّ، دينيٍّ أو دنيويّ! سلامات!!!
هذا مثال للصوت الواحد الذي أعنيه. لماذا لا يكون هناك عدّة أصواتٍ تُسمع؟ أعني أكثر من نوع فرقة، صغيرةٍ وكبيرة، مثلاً؟
الصوت الواحد هذا المفروض من قِبَل السلطات التي أرادت إنشاء وحدةٍ عربيّةٍ على أنغامٍ سمفونيّة، فأخفقت في كليهما، لا وحدةٍ عربيّةٍ، ولا نغمٍ سمفوني. هذا الصوت الواحد جعل أشكال الموسيقى على تنوّعها تتقلّص ذائبةً في هذا الصوت، ففُقِدَ عنصر الجمال في تنوّع الأشكال وتعدّدها.
و كسل المنتجين، أعني الموسيقيّين منتجي النغم، عن البحث فيما لديهم لإيجاد طرقٍ بديلةٍ للتطوير دون نهج الاستيراد السائد منذ ما يزيد على قرن.
والقصد هنا ليس إلغاء التطوير على أساس الاستيراد، فلو طلبتُ هذا أفعل نفس ما فعله من أراه مخطئاً ممّن ذكرت في فكرة الصوت الواحد. القصد فقط وجود طرقٍ متعدّدةٍ للتطوّر والتطوير، فنسمع العديد من الأصوات، نرى اختلاف وجهات النظر دونما تسفيهٍ أو كراهية، ننظر في ماضينا لا لنقدّسه، بل لنأخذ ما نراه صواباً ونلقي الضوء على الصواب والخطأ على وجهٍ سواءٍ فتنفتح أبواب النقاش والشكّ ما سيفتح بدوره أوسع أبواب الثراء النغميّ، والماضي سيقودنا للسبب الذي يليه لانحسار الموسيقى الفصحى.
وحنين السمّيعة إلى كلّ ما هو قديم و النظر بدونيّةٍ لكلّ ما هو جديد .
غنّت أسمهان يا حبيبي تعال الحقني شوف الّي جرالي، وغنّت فيروز حبّيتك في الصيف، وغنّت أصالة يا مجنون مش أنا ليلى. ما ذنب أصالة لتنتقد فقط لأنّها ليست مواليد النصف الأوّل من القرن العشرين؟ وأنّ شهرتها أتت في التسعينات ليس الثلاثينات أو الخمسينات؟
غنّى عبد المطّلب ياهل المحبّة ادّوني حبّة! ، وغنّى عبد الحليم دقّوا الشماسي، وغنّى صاحب المهرجان هاتي بوسة يا بتّ، فما ذنب الأخير أنّ التقدّم التكنولوجي فاق عبد المطّلب وعبد الحليم؟
بالطبع كما سبق الذِكر مراراً، هذه مجرّد أمثلة، والأنماط والأسماء تجرّ لما لا نهاية.

التعليقات مغلقة