July 22, 2016

خواطر شخصيّة، في الذائقة النغميّة‎: في إجراء الخواطر

إذن، في هذه الخواطر لا يقدّس الماضي، ولا يُساء لأحدٍ، و إن أشرت لما أراه إخفاقاً أو خطأً، فإنّما هو الرأي والرغبة في الفائدة لا الإساءة والانتقاص من قدر أحد. و رغم هذا، فسأذكر الأسماء في ما أشير له بالإجادة، و سأحاول اجتناب ذكر أيّ اسمٍ يشار له بغير هذا إلّا في حالة الضرورة القصوى، لا لشيءٍ إلّا رغبةً في احترام مشاعر من يختلف معي في التوجّه.
بعد بيان عدم رغبتي في تقديس الماضي، ستنقسم الظواهر الموسيقيّة في هذه الخواطر إلى الموسيقى الفصحى (CLASSIC) وموسيقى عاميّة أو دارجة (POPULAR) وشعبيّة (FOLKLORIC) واستهلاكيّةٍ تجاريّة أو منوّعات (COMMERCIAL, VARIETY). ولا أدّعي هنا امتلاك الحقيقة في تقسيم النغم، إنّما من أشكال النغم ما يصعب تصنيفه لتداخله، لكن أقول، أنّ هذا ما سأعتمده تسهيلاً على نفسي وعلى من قد يتابع هذه الخواطر.
أخيراً، لا يُقصد من هذه الخواطر أيّ تقسيمٍ لها أو تبويبٍ أو فصول، لكنّها خواطر خالصةً لا ينبغي أن تُعطى أكبر من قدرها، وكلّما جال خاطرٌ في البال يُطرح دون أولويّة لخاطرٍ على آخر أو أهميّةٍ لفكرةٍ عن أُخرى.

July 15, 2016

خواطر شخصيّة، في الذائقة النغميّة‎: النقد بين الذات والقديم و لماذا النقد

في الأمم التي ينتشر فيها الظُلم، ينتشر فيها بالمِثل حبّ القديم، وعدم مساسه بالنقد ولا حتّى الاستفادة من أخطائه. مَن يستطيع تخطيء السلف الصالح في الدين أو السياسة أو النغم!
حين طالعت بعض كتب التراث في الشِعر مثلاً: وجدت بعض الرواة ينقدون شاعراً في مكانة النابغة الذبيانيّ أنّ في شعره إقواء، وبصرف النظر عن تعريف الإقواء، لكن، تعدّى هذا أنّ شاعراً كجرير في إحدى مجالسه نقد قصيدةً نظمها هو، فنرى أيضاً مجاوزة نقد الأقدمين إلى فكرة النقد الذاتيّ.
ماذا لو قُلنا أنّ الكثير من نجوم الطرب في القرن العشرين في أمّتنا هم صنعة إعلامٍ وسلطةٍ أكثر من جودة نغمٍ أو عظيم موهبة؟
ماذا لو قلنا أنّ تمجيدنا للأقدمين من أوّل عبده الحمولي ومحمّد عثمان، مروراً بيوسف المنيلاوي وعبد الحيّ حلمي وسلامة حجازي وسيّد درويش، وصولاً لأمّ كلثوم إبراهيم ومحمّد عبد الوهّاب ورياض السنباطي ومحمّد القصبجي وزكريّا أحمد والأخوين أسمهان وفريد الأطرش ومن تلاهم من عبد الحليم حافظ الأخوين عاصي ومنصور الرحباني وبليغ حمدي وكمال الطويل ومحمّد الموجي، والأسماء لا تنقطع في كلّ عصر:
أقول: لماذا نضع هؤلاء في مرتبةٍ لا يجوز نقدهم أو حتّى إبراز ما يمكن أن تكون أخطاءاً، لماذا تُدارى الأخطاء ولا يُستفاد منها؟ لماذا نركّز في تفاصيل حياتهم الشخصيّة؟ لماذا نهتمّ بحياتهم الشخصيّة أصلاً؟ لماذا لا ننظر للشخص بعمله، يأخذ بمحاسنه ويُستفاد من خطئه؟
الظنّ عندي أنّ هذه الأعمال السينمائيّة والتلفزيونيّة التي جعلت من أولئك الأشخاص ملائكةً تمشي على الأرض أساءت لهؤلاء الناس الذي لم يُرِد أغلبهم إلّا أن يكون ذا فنٍّ وغير هذا هو واحدٌ بين الناس.

July 8, 2016

خواطر شخصيّة، في الذائقة النغميّة‎: الجيّد و الرديء والحكم عليه

لنبدأ بالجيّد والرديء والحكم عليه:
لماذا يؤخذ انطباعٌ بسابق جودة عملٍ ما إذا كان الغناء فيه لأمّ الشهيد، أو للمقاومة أو حملت مقطوعةٌ عنواناً ثوريّاً أو مقاوماً؟ و يُفترض في العمل سوء جودةٍ إذا
حمل في طيّاته كلاماً غير مألوفٍ أو خارجٍ عن الآداب العامّة (مع التحفّظ على المصطلح)؟
هل ينبغي أن يُقاس النغم بمحتواه الكلاميّ؟ وإن كان، فما معيار قياس المحتوى الكلاميّ؟ هل بمضمونه أم بجودته؟ كم تكون نسبة جودة النغم في الحكم على جودة العمل لو كان العمل غنائيّاً؟ و كم تكون نسبة قياس العنوان لو كان العمل نغميّاً خالصاً لا غناء فيه؟
لماذا يعتبر الكثيرون مَن يعلن عدم تفضيله لحناً عن القضيّة أو الثورة، تافهاً أو سطحيّاً؟ لماذا يطلقون نفس الصفات السابقة على مَن يميل لسماع ألحانٍ ذات كلامٍ غير مألوفٍ أو خارجٍ عن الآداب العامّة؟
قد نما لأُذُناي ألحانٌ من النوع الثاني بها طربٌ و صنعةٌ و جدّيّةٌ في التعامل مع النغم أكثر من النوع الأوّل.
لماذا يقسَّم النغم بمضمونه الكلاميّ والطبقيّ لا محتواه النغميّ؟
دُرنا في فلك نفس الفكرة بما فيه الكفاية والتمثيل، و الآن نضرب بعض الأمثال العمليّة على مقصدنا من الحكم على النغم، لكن، علينا أن نقف في مقدّمةٍ أُخرى تحوي بعض الأسانيد المنطقيّة و التفسيرات الاصطلاحيّة التي سنسير بها سويّاً في هذه الخواطر، و نحاول إسناد المصطلحات التي سنستخدمها لأقرب شائعٍ لها في أمّتنا بأيّ لغةٍ كانت، في أوّل مرّةٍ نأتي على ذكر مصطلحٍ ما، ثمّ أكتفي بذكره بالطريقة التي أرى أنّها الأنسب في مقامنا هذا.
و للحديث بقية ...

خواطر شخصيّة، في الذائقة النغميّة‎: احتكار الذائقة

لمّا كان النغم كالكلام، ينقسم لألسنٍ ولغاتٍ ولهجات، منه الفصيح والدارج، الأصيل والهجين، المدروس والعفويّ، الصادق والمدّعي، تعدّدت ذائقة الناس فيه بتعدّد أذواقهم لسائر الفنون.
على أنّ الرغبة من بعض فئات المجتمع في أمّتنا من احتكار الذائقة، و احتقار مَن ارتأوا فيه شخصاً دون معرفتهم، رغبت هذه الفئات المُستعلِية في توجيه ذائقة الأمّة وتعليبها وتقديمها جاهزةً للناس كفعلهم بسائر مناحي الحياة من شؤون الحكم والتعليم والاقتصاد والطعام والشراب واللباس وحتّى الحبّ.
انقسمت هذه الفئات المستعلية إلى فئاتٍ تتحدّث عن هذا التعليب باسم الدين تارةً والوطنيّة تارةً و الثقافة تارة، و إنّي لأرى أنّ كلّ هذا تعدّد أوجهٍ رغبةٍ في الاستحواذ والسيطرة والاستقواء على الناس.
وبعدُ فإنّ الكلام بعد ما سبق لن يتعدّى الحديث عن الذائقة النغميّة، خلا ما يؤول به الكلام بالتمثيل و المقارنة مع حالٍ آخر من أحوال فنٍّ آخر أو منحىً آخر من مناحي الحياة.
وستكون الكتابة في خواطر، لا فصليّةً ولا بحثيّةً ولن يُستخدم فيها الأسلوب العلميّ المدرسيّ، لكن سيُعتبر فيها بالأمانة العلميّة و الاستدلال بالتوثيق ما استطعت لهذا سبيلا.

خواطر شخصيّة، في الذائقة النغميّة‎: في التطريب و التعبير

وعلى ذكر التعليم المدرسيّ، خطر في بالي ما درسته في الجامعة في النقد الأدبيّ عن فكرة الصنعة والتعبير، و أنّ جماعة الكلاسيكيّين الجدد كانوا يهتمّون بالصنعة على حساب التعبير، و أنّ جماعة الرومانطيقيّين اهتمّوا بالتعبير أوّلاً، و قالت لي سيّدتي رضوى عاشور في نقاشٍ بيننا ردّاً على قولٍ لي أرفض فيه هذه التقسيمة، أنّ النقد الغربيّ قد تراجع في الآونة الأخيرة عن هذه الأفكار، و أنّهم الآن يعيدون قراءة هذه الأعمال و هذا التاريخ بشكلٍ عام. فاستنتجت أنا أنّ جامعاتنا تنهج منهج الملكيّ أكثر من الملك! كالعادة.
وقرأت أيضاً لناقدٍ أدبيٍّ أنّ جماعة هُبَل، إذا أخذنا أنّ هبل هي تعريب أبولو، المهمّ، جماعة أبولو من وجهة نظره، انتفضت على جماعة الكلاسيكيّين الجدد وانتفضت على الشكل التقليديّ للشعر العربيّ واهتمّت بالتعبير أكثر من الصنعة. لكنّي أعلم أنّ القوم قد جعلوا رئيسهم الشرفيّ أحمد شوقي، فكيف انتفضوا و وضعوا رئيسهم بإرادتهم من الجماعة التي انتفضوا عليها!
"لا أظنّهم قد عصروا "لمونة ولا فوّضوا عالناشف!!!
أمّا في النغم، فسبب ما نحن فيه من حالة تقديسٍ لبعض الموسيقيّين الذين عاشوا في منتصف القرن العشرين، فهم جماعة النقّاد المدرسيّين أنفسهم، هم الذين استوردوا من النقد الغربيّ فكرة التطريب
والتعبير.وفرضوها حتّى أنّ الرافض لها في نظرهم جاهل.
تعالوا بنا نعاين فكرة التطريب والتعبير:
قرأت في كتابٍ أنّه في أوبريت العشرة الطيّبة (إلّا همّ: ليه استعملوا "أوبريت" و ليس "صورةً غنائيّةً" مثلاً؟ أو مسرحيّةً غنائيّة!!! عموماً!!!) في أوبريت العشرة الطيّبة، خرج سيّد درويش لأوّل مرّةٍ عن النسق التطريبيّ بالتعبير باللحن عن الكلمة، عشان ما نعلا ونعلا ونعلا لازم نطاطي نطاطي نطاطي، فالتعبير هنا جاء بحركة الأربيجيو صاعداً في نعلا ونعلا ونعلا، ثمّ هابطاً في نطاطي نطاطي نطاطي. هذا صحيح، لكن الغريب أن يُصبح هذا مثلاً عند سائر نقّاد الجمهوريّات العسكريّة دون تدقيق، ظنّي أنّ حضرة الناقد الأوّل قد أعجبه هذا المثل لأنّه قد حمل نزعةً أوربيّةً في التعبير بالنغمة عن الحال. فحتّى لو كان من المتعصّبين للشيخ سيّد درويش، كان ينبغي له أن يدقّق ويعلم أنّ هذا اللحن ليس أوّل ما استخدم الشيخ سيّد هذه الطريقة في التعبير المباشر باللحن عن الكلمة، فللشيخ سيّد ألحانٌ كثيرةٌ استعمل فيها نفس الأسلوب لكن بغير الأربيجياتو.
وأمّا في المطلق، فإنّ كتب الموسيقى تُبرز وجود التعبير المباشر بالنغمة عن الكلمة، أشار إلى هذا الأسلوب صاحب كتاب الأغاني، ومن المدوّنات القديمة مثلاً، نستطيع أن نترجم حالة السكر بالنغمة في ساري عسكر داير يسكر، التي دوّنها فيلوتو بالتدوين الأوربي في الجزء الثامن من كتاب وصف مصر. أمّا الأدوار و الموشّحات، و حتّى طقاطيق العوالم فبها ما بها أيضاً من ترجمةٍ مباشرةٍ بالنغمة لمضمون الكلام، فانظروا مثلاً في دور عهد الأخوّة، كيف تُترجم بالنغمة جملة "عيد البشاير والفرح"، أو "طالع سعودك جدّ بالنصر فوق الحدّ"، أليست هذه ترجمةٌ بالنغمة مباشرةً لمعنى الكلام يا متعلّمين يا بتوع المدارس؟
إذن يبدو أنّ الفصل بين التطريب والتعبير عند نقّاد الجمهوريّات العسكريّة هو مجرّد فصلٍ بين طريقة التعبير المنبنية على نغمنا وطريقة التعبير المستوردة من أنظمةٍ نغميّةٍ أُخرى.
شخصيّاً أنا أطرب من موسيقى باخ وموتسارت واسترافناتسكي وشونبرغ، وأجد في التطريب تعبيراً وفي التعبير طرباً.
لا يمكن أن يُطرب صاحب نغمةٍ دون تعبير، ولا يمكن أن يصل صاحب نغمةٍ للتعبير إلّا أن يصل مستمعه للطرب. الطرب والتعبير كلٌّ لا يتجزّأ
أبوس إيديكم ارحمونا!!!

خواطر شخصيّة في الذائقة النغميّة: في تعبير الأنغام و في التطريب 1

سيسألني البعض، لماذا جئت بأسماء من الموسيقى الفصحى الأوربّيّة دون غيرها وقلتَ أنّك تطرب لهذه الأسماء؟
أُجيب: أمّا عن اختياري التقليد النغميّ الأوربيّ الفصيح، فسببه اشتهاره بين الناس أنّه الأكثر تعبيراً والأقلّ تطريباً، وأمّا عن اختياري للأسماء، فببساطة هي ما أتت
على رأسي، قد أكون سمعت بعضها حديثاً فكانت الأسبق للقفز إلى لوحة المفاتيح!
ما علينا، حاصلُهُ، أنّي وجدتُ أكثر الأنغام المعبّرة عن شعور الإنسان في المطلق، هي التقاليد الفُصحى، و وجدت أكثر التقاليد قرباً من التعبير الحسّي المباشر عن أحوال الإنسان من فرحٍ وترحٍ وعملٍ وانتصارٍ وانكسار، هي التقاليد الأكثر نصيباً من الازدراء لدى حضرات النقّاد الموقّرين، أعني التقاليد الشعبيّة للريف والبادية وسكّان المدن من العمّال. لماذا لم يختر نقّادنا الأفاضل إحدى هذه الألحان للتمثيل على التعبير، و يتحفوننا دوماً بما هو مستورَدٍ كتمثيلٍ عن التعبير؟
و سؤالٌ مهمّ: ما الفرق بين الحالة التي يصل لها المستمع من التعبير عن تلك التي يصلها من التطريب؟ اعذروا جهلي!
وبما أنّ الشيء بالشيء يُذكر، فإنّني لم أعهد في حياتي سوى حالين، خَبَرتُهما عند الناس قبل قراءتي عنهما في علم نفس الصوت،psychoacoustic هذان الحالتان هما نشوةٌ هادئة، وهي التي يصل لها الإنسان حين يسمع صوتاً يطرَب له يكون الصوت فيه منخفضاً أو متوسّط العلوّ، لا أعني الطبقة، لكن أعني علوّ الصوت نفسه، فهذه النشوة يصل لها بالشعور والإدراك والفهم المباشر لما يسمع. والحال الثانية هي النشوة العصبيّة، وهي تأتي عبر صوتٍ متكرّرٍ ومرتفعٌ يؤثّر تأثيراً مباشراً على حاسّة السمع ومن ثمّ على الجهاز العصبيّ، فالضغط على طبلة الأذن، ومن ثمّ على باقي الجهاز السمعيّ، الناتج عن ارتفاع الصوت، يؤثّر على الجهاز العصبيّ، عند بعض الخبراء في مجال علم نفس الصوت، بشكلٍ أشبه بالتخدير.
على أنّي لم أعاين شخصاً، ولم أقرأ عِلماً عن فارقٍ حسّيٍّ بين حال التطريب وحال التعبير.
نواصل الاسبواع القادم ..

خواطر شخصيّة في الذائقة النغميّة: في تعبير الأنغام و في التطريب 2

أمّا أذا أردنا بعض التصنيف من خلال الحالين التين أسلفت ذكرهما، فهناك من يقول أنّ التقاليد الفصحى أميل لعدم ارتفاع الصوت، والتقاليد الشعبيّة أميل لارتفاع الصوت، والتقاليد الدينيّة والدارجة فيها من الحالين. على أنّي شخصيّاً أميل إلى عدم فصل التقاليد النغميّة الدينيّة، فتوجّهي فيها أنّها كسائر الأحوال، منها ما يندرج تحت النغم الفصيح، ومنها ما يندرج تحت الدارج ومنها ما يندرج تحت الشعبيّ، وللتمثيل على هذا:
لو أخذنا التواشيح، كتوشيح أضاء النور مثلاً، والمغنّى من الكثير من المنشدين أمثال الشيخ علي محمود ومحمّد الفيّومي وغيرهما الكثير، بالسمع والتحليل نعلم أنّ ملحّن هذا الكلام ينتمي للنغم العربيّ الفصيح، ولو أخذنا لحناً كلحن الثلاثيّة المقدّسة، والتي سجّلته السيّدة أمّ كلثوم حوالي عام 1972، ولحّنه الأستاذ رياض السنباطي، نجد أنّه يتبع نفس طريقة الموسيقى الدارجة في الستّينات والسبعينات.
أمّا لو أخذنا ما يغنّيه الشيخ الدريني مثلاً، فإنّه يشبه في لحنه ألحان الموسيقى الشعبيّة في صعيد مصر.
فلماذا يصنّف البعض الموسيقى الدينيّة كتقليدٍ نغميٍّ مستقلّ؟

خواطر شخصيّة، في الذائقة النغميّة‎: النغم و المبدأ

وأمّا النغم الحقّ فهو ما صدق صاحبه فيه مع نفسه، دارجاً كان أو فصيحاً أو شعبيّاً، دينيّاً أو دنيويّاً، آليّاً أو غنائيّاً، لا فرق في هذا بين تجاريٍّ أو معارضٍ لسلطةٍ أو متملّقٍ لها.
أضرب هنا مثلاً مطربتين التقيت كليهما في وقتٍ متقاربٍ بين عامي 2010، و 2011 إحداهما في بيت صديقٍ عزيزٍ بالقاهرة، و الأُخرى في بيت صديقٍ عزيزٍ بجبل لبنان. أمّا من التقيتها في القاهرة، فهي عندي الأجود والأمهر. قالت: أنّنا قد ربينا على السمع والطاعة، أن لا يكون لنا طموحٌ خارج ما اتّخذنا من مهنة، لا نعارض سلطةً بدءاً من سلطة الأب في البيت وصولاً لسلطة الأب الحاكم، إنّما أغنّي لمن يريد سماعي، وأستفيد من غنائي لنفسي قدر المستطاع.

و قالت الأُخرى كلاماً مفاده أنّ الفنّ رسالةً وأنّي أحبّ الفنّ الملتزم، و أغنّي لبلدي لأنّي أحبّ بلدي و أحبّ حكومة بلدي.
المفاجأة، أنّ الأولى استمرّت في ما هي عليه، محترمةً في هذا مبدئها، و لو نظر إليه البعض أنّ فيه تملّقٌ للحاكم، لكنّها في نظري احترمت نفسها و لم تؤذِ في ما يراه البعض تملّقاً، أحدًا. أمّا الثانية، فبمجرّد أن جاءتها فرصة الغناء الاستهلاكيّ و التصوير المصاحب للغناء الدارج المعروف في الفضائيّات بالفيديوكليب، فلم تتورّع عن خوض غماره حتّى مع شركة إنتاجٍ متواضعةٍ في هذا المكان من سوق تجارة النغم. فانطبق عليها بامتيازٍ مثل الرقص على السلّم.

Copyright ©2021 Mustafa Said. All Rights Reserved. | Developed by: Mathew Osama