كلّ وقت وله أذان

تراث النغم
مُصْطَفَى سَعِيد
عازف وباحث في علم النغم
المقال منشور في مجلة تُراث - أبو ظبي- العدد ٢٧١، مايو٢٠٢٢

مثلٌ دارجٌ على الألسن عند كلّ الناطقين بالعربيّة بمختلف لهجاتها وطبقاتها، بل أبعد من هذا، لا يجري بحكم معناه على ألسن المسلمين حصراً، بل يُسمع من غير المسلمين رغم معناه الذي يخصّ الأذان الداعي للصلوات الخمس.

ثبت في الحديث عن الئذان أولويّة طلاوة الصوت ونداه وجماله على علوّ موجته، (اعطِهِ بلالاً فإنّه أندى صوتاً منك) صدق رسول الله. قد تكون هذه الضرورة بيت القصيد لهذا المثل، لكنّها لا تلزمه حكماً.

قيل أنّ أحمد بن طولون، والي بني العبّاس على مصر في القرن الثالث الهجريّ الذي أعلن نفسه سلطاناً عليها وجعل تبعيّتها لبني العبّاس بالاسم والراية دون التصرّف والولاية، بنى القطائع والعسكر بجوار الفسطاط، فتوسّعت، وأسكن في قطائعه أرباب الدولة وفي العسكر الجند وقادتهم، ثمّ بنى مسجداً جامعاً يتّسع لسكّان المدن الثلاثة، الفسطاط والقطائع والعسكر، لم يزل قائماً إلى زماننا هذا، وعيّن له الأئمّة والمؤذّنين والقائمين من العلماء على حلقات الدرس فيه. أمّا عن المؤذّنين، فكانوا يتناوبون الأذان تارةً، ويؤذّنون سويّاً تارةً أُخرى، خصوصاً في الجمع والأعياد واستقبال الأهلّة ومواسم الصوم والحجّ. ثمّ إنّ بن طولون طلب من المؤذّنين أن ينادوا لكلّ صلاةٍ بحيث يعرف السامع الوقت من سماع الأذان.

لم يذكر المؤرّخون إن كان ما طلب بن طولون معمولاً به من قبل في مكانٍ ما، وأنّه نقله أو طوّره في مدينته التي استحدث بناءها، أم أنّ الفكرة من بنات أفكاره.

يذكر صاحب سمط النجوم العوالي، مؤرّخ مكّة، أنّ الأذان الجماعي (أذان الجوقة" والأذان الذي يختلف صوتاً في كلّ صلاةٍ كان تقليداً راسخاً متوارَثاً في زمانه قبل قرابة أربعة قرون، فإن ليس يجيبنا هذا عن أصل الفكرة، فهو دليلٌ أنّ الأمر ليس قاصراً على حاضرة مصر، ولو ذكرنا كلّ المؤرّخين الذين ذكروا هذا الأمر لذكرنا أغلب المؤرّخين في رقعةٍ جغرافيّةٍ من أشبونة إلى كشغر.

والرأي أنّ الأجدر بنا أن نحاول البحث في زمن وسبب انقطاع هذه العادة في الأذان في أمّتنا، فأذان الجوقة يُسمع قليلاً في المغرب العربيّ، واحتفاليّاً أحياناً في بعض الحواضر العربيّة كدمشق وحلب، واختلاف صوت الأذان انحصر في بعض حواضر الأنضول ووسط آسيا مثل إسطنبول.

عودةً إلى حاضرة مصر: يبدو أنّ اختلاف صوت الأذان من نغمةٍ إلى أخرى استمرّ أكثر من ألف سنةٍ بعد بن طولون، وليس الغرض هنا أخذ القارئ إلى رحلةٍ تاريخيّةٍ، بل نحاول أخذه بالجَمال والتاريخ والنغم لحلقات سماعٍ عامّةٍ لم تنقطع في كلّ مكانٍ عند كلّ أذان.

دوّن ڤيلوتو أثناء غزو ناپليون لمصر ما سمع من نغمٍ في حاضرة مصر، وحين تدوينه لأكثر من أذانٍ قال ما ترجمته: يُسمع هذا اللحن يوميّاً في مثل هذا الوقت، فيدوّن أذاناً يبدو من وصف زمانه أنّه أذان عشاء، وآخر يبدو من وصف زمانه أنّه أذان عصر، وثالثٌ أطول يبدو أنّه تسابيح قبل الفجر وأذان الصبح.

رغم ما يشوب تدوين ڤيلوتو من مشاكل قسمة الكلام على النغم زمناً بسبب عدم اعتياده إيقاع الكلمة بل كما في التقليد الفصيح الأورپيّ، الاعتماد على الدورة الإيقاعيّة يغلب على التدوين، يُعطينا تدوينه اختلاف النغمة بين كلّ أذانٍ وآخر، يعيدنا هذا لما يحاول صاحب مسالك الأبصار قبل خمسة قرون من ڤيلوتو شرح نظام زمانه النغميّ الذي ينقله عن معاصره وصديقه الّذي يعدّه أفضل أهل زمانه في النغم "بن كرّ" فيقرّب مفهوم اختلاف كلّ نغمةٍ عن أُخرى بتقريبها لما يسمعه السامع في عصره وقت أذان العصر مثلاً حين يتحدّث عن الحجاز، أو وقت أذان جوقة المؤذّنين إيذاناً بمغادرة الحجيج القاهرة أو عودتهم إليها.

عودةً للعصر الحديث، نجد صاحب (The Modern Egyptian) أيّام محمّد علي باشا يدوّن بعض ما سمع من نغم. لا يختلف كثيراً من حيث عدم دقّة قسمة الكلام على النغم كما عند ڤيلوتو، لكن يتّفق معه دون قراءته أو لقائه في تطابق الأبعاد والمواقيت، لا يعني هذا أنّ الأنغام لم تختلف من زمنٍ إلى زمن، فالوقت بين ڤيلوتو ولين لا يزيد على ثلاثة عقود.

ضمن الأنغام السبع الأصول في تنظير المشايخ "نغمة الصباح" وهي نفس النغمة المعروفة في كتب التنظير الموسيقيّ العربيّة المعهديّة "مقام صبا" والاسم مأخوذٌ من كتب التنظير العثمانيّة، لا شكّ، لكن يبدو أنّ هذا الأخذ شفاهةً، ففي الكتب العثمانيّة يُكتب "مقام صباح" وتُلفظ عندهم الحاء هاءً، لذا تكتب بالكتابة التركيّة للحرف اللاتينيّ (Makam Sabah).

وإذا عاينّا أقدم نداءات الصلاة المُسجَّلة من مساجد في مناسبات، نجد أقدمها للشيخين علي محمود، ومحمّد رفعت، أوّلهما من المشهد الحسينيّ بالقاهرة حيث نقلت الإذاعة اللاسلكيّة للحكومة المصريّة صلاة جمعةٍ أثناء تنصيب الملك فاروق ملكاً على مصر والسودان، أذّن الشيخ علي محمود من مقام المحيّر، وهو من أفرع نغمة البيّاتي يمتاز طبعه بغلبة استعمال الديوان الأحدّ، ونغمة البيّاتي عين نغمة أذان الظهر، وجوابها للجمعة لتمييزها عن سائر الأيّام.

أمّا الشيخ رفعت، فله أذانان مسجّلان، أقدمهما من مسجد فاضل باشا الذي كان يقرأ ويؤذّن فيه أغلب عمره، والمسجّل أذّانٌ لصلاة العشاء، ونغمته مستقيم "راست" عين النغمة المذكورة لصلاة العشاء، والآخر من مقام الأوج، أحد أفرع نغمة "عراق" أو "سه گاه" في تنظير المشايخ. (تنظير المشايخ يختلف عن التنظير العثمانيّ المعمول به في المعاهد الموسيقيّة العربيّة، فعندي أنّه أقلّ تعقيداً للوصول لنفس الغاية) استخدم الشيخ رفعت مقام الأوج لأنّه يعمل نفس عمل المحيّر من البيّاتي، فطبع الأوج يغلب عليه الديوان الأحدّ كما ذُكِر عن المحيّر، والسبب أنّ تسجيل الأذان كان دعوةً ملكيّةً لإفطارٍ رمضانيٍّ عقب الانتهاء من تجديد جامع محمّد علي عقب تسليم الإنگليز القلعة للحكومة المصريّة، فانطلق مدفع الأفطار، وما زال هذا الأذان يُسمع في رمضان من سائر وسائل الإعلام في المحروسة إلى يومنا هذا.

عودةً للصباح ونغمته:

ذكر لي الشيخ شعبان وهبة والشيخ أحمد عمارة في مدينة طنطى منذ ما يقرب من ثلاثة عقود أنّ أهل مصر في كلّ حواضرها، وخصّوا لي بعض المدن منها طنطى حيث كنّا نجتمع، أنّ بعض المناسبات مثل خروج الحاجّ أو عشاء آخر ليلةٍ من شعبان، أو فجر العيدَين، كان يؤذَّن لها أذاناً جماعيّاً، سمّوه "سلطانيّاً" وأنّ بعض مناسباتٍ أُخرى يؤذَّن لها بهذا النهج الجماعيّ مثل احتفالات النصر أو تنصيب حاكمٍ أو وفاته، إلى آخره.، وأمّا الأذان الفرديّ كلّ يومٍ فكانوا ينادون لكلّ صلاةٍ من نغمة، فأذان الصبح من نغمة الصباح، والظهر من البيّاتي "دو گاه"، والعصر من الحجاز والمغرب من العراق "سه گاه"، والعشاء من المستقيم "يك گاه أو راست"

فلمّا سألتُ عن سبب انقضاء زمن هذه العادة لم يزد الشيخ شعبان، وكان سنّه تخطّى قرناً "ما عاد فيه خير يابني".

أمّا الشيخ محمّد الهلباوي، فدار بيننا حديثٌ قبل أقلّ من عقدَين، فلمّا سألته عن سبب انقضاء هذا الزمن كان له رأيٌ آخر، حيث أخبرني أنّ ارتباط الأذان بالنغمة كان بمثابة الساعة للناس يعرفون منه الوقت، الآن أصبحنا نرقب الأذان بالساعة، وأنّ أذان الفجر كان من نغمة الصباح، وأنّه سجّل أذاناً سلطانيّاً لفجر عيد الفطر من تلك النغمة، لكن انقضى هذا لأنّ الإذاعة منذ منتصف الأربعينات دأبت على نقل بعض الصلوات على الهواء وعيَّنت لهذا المقرئين المنشدين ثمّ منذ منتصف الستّينات تقريباً أصبحت تنقل كلّ فجرٍ بقراءته وإنشاده، أراد المشايخ المنشدون أن يبرزوا قدراتهم، وهم يعرفون أنّ صوتهم يُسمع في كلّ مكانٍ ولن يسمع على الهواء إلّا في هذه المناسبة لالتفاف الناس حول المذياع، لذا أصبح كلّ شيخٍ يختار للإنشاد والأذان نغمةً تختلف عن النغمة التي اختارها الشيخ الذي سبقه. ثمّ ختم حديثه قائلاً: "احمد ربّك إنّ لسّة فيه ناس بتأذّن صحّ، مش سامع الجعير حوليك ويسمّوه أذان ويكفّروانا إحنا عشان نأذّن بالأنغام؟"

فقلتُ له أنّ النبيّ حين قال "أرحنا بها يا بلال" لأنّ بلالاً كان الأندى صوتاً ليس الأجهر.

بعض الحواضر، مثل إسطنبول، ما زالت تعمل بأذانٍ لكلّ صلاةٍ من نغمةٍ تميّزها، ليس بنفس الترتيب المذكور لكنّ التقليد ما زال معمولاً به فيها وفي بعض حواضر أخرى في الأناضول ووسط آسيا وشرق أورپّا، خرج "كلّ وقت وله أذان" مثلاً وعملاً من بلادنا، فهل يعود أليها فيحلّ الأندى والأطلى والأجمل محلّ الأعلى والأجهر والأنفر؟

turath-271-109
turath-271-110

Copyright ©2021 Mustafa Said. All Rights Reserved. | Developed by: Mathew Osama