سلامة وحنين.. الغناء ضحية الفساد ليس سببه

حكايات أهل النغم ودلالاتها من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني
 مُصْطَفَى سَعِيد

عازف وباحث في علم النغم
المقال منشور في الموقع الإلكتروني لكيوبوست -أبو ظبي- ، أكتوبر٢٠٢٢

ثمَّة نوعٌ من التشدد إذا نُظِر إليه من بعيدٍ ظهر كأنما تطرُّف، أما إذا فُهِمَت أبعاده حقَّ الفهم، فظهر للفكر بالقرب منه ومن معطياته ما غاب بسبب قراءة التاريخ بمنطق الحاضر.

فإذا عُدنا إلى زمن نشأة الدولة الإسلامية منذ أربعة عشر قرناً، وجدنا بعض الأحكام في بعض المواقف بها تشدُّد كثير إذا حُكِم عليه بمنظور زماننا، فهو تطرُّف، والحق أنه إن حدث في زماننا فهو عين التطرُّف؛ لكنَّ الحكم عليه أنه تطرُّف في زمنه شيء من الجور في الحكم، لأن طبيعة الحضارة البشرية أنها صقل أفكار وخبرات؛ فيستفيد الحاضر من الماضي استجلاءً للمستقبل.

فلنسمع من أبي الفرج في قصة تبدو تشدُّداً وتحريماً للسماع والغناء:

المجلد الثاني، ص580، ينتهي السند عند عبدالرحمن بن المغيرة:

“لمّا قدم عثمان بن حيان المرّي المدينة والياً عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنك قد وليت على كثرة من الفساد؛ فإن كنت تريد أن تصلح فطهرها من الغناء والزنى.

 فصاح في ذلك وأجَّل أهلها ثلاثاً يخرجون فيها من المدينة. وكان ابن أبي عتيق غائباً وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح. فلمَّا كانت آخر ليلة من الأجل، قدم فقال: لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القسّ. فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلِّم عليكم. قالوا: ما أغفلك عن أمرنا! وأخبروه الخبر. فقال: اصبروا عليّ الليلة. فقالوا: نخاف ألا يمكنك شيءٌ وننكظ. قال: إن خفتم شيئاً فاخرجوا في السحر.

ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان، فأذن له، فسلَّم عليه وذكر له غيبته وأنه جاءه ليقضي حقه ثم جزاه خيراً على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزنى، وقال: أرجو ألا تكون عملت عملاً هو خير لك من ذلك. قال عثمان: قد فعلت ذلك وأشار به عليّ أصحابك. فقال: قد أصبت ولكن ما تقول -أمتع الله بك- في امرأة كانت هذه صناعتها، وكانت تُكره على ذلك ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير، وأتى رسولها إليك تقول: أتوجه إليك وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومسجده.

قال: فإني أدعها لك ولكلامك. قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس؛ ولكن تأتيك وتسمع من كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن يترك تركتها، قال نعم. فجاءه بها وقال لها: اجعلي معك سبحة وتخشَّعي ففعلت.

فلما دخلت على عثمان حدثته وإذا هي من أعلم الناس بالناس وأُعجب بها وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك. فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير، فقرأت له، فقال لها احدي له ففعلت فكثر تعجبه. فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها! فلم يزل ينزله شيئاً شيئاً حتى أمرها بالغناء. فقال لها ابن أبي عتيق: غنِّي فغنَّت:

سددن خصاص الخيم لمّا دخلنه  بكلّ لبانٍ واضحٍ وجبين

فغنَّته، فقام عثمان من مجلسه فقعد بين يدَيها، ثم قال: لا والله ما مثل هذه تخرج! قال ابن أبي

عتيق: لا يدعك الناس يقولون: أقرّ سلامة وأخرج غيرها. قال: فدعوهم جميعاً فتركوهم جميعاً”.


كتاب-الأغاني-طبعة-دار-صادر


والٍ قدم على أول عاصمة لدولة الإسلام، فوجد بها فساداً، فكما هي عادة الاستسهال في الفكر والسياسة، أشار عليه البعض أن سبب هذا انتشار السكر والفاحشة، ولم يفكِّر أحد في أن هذا نتيجة الفساد وليس سببه، وكالعادة أيضاً يذهب السماع، بسبب ارتباط أدناه بمثل هذه المجالس، ضحية هذا النوع من التفكير.

يأتي رجل دين ودولة فاضل، اشتهر بالورع والصلاح، وعُرف عنه العدل في القضاء في كل مكان ولي فيه القضاء، واشتهر عند المحدِّثين بصحة وعدالة روايته في الحديث، ذهب لهذا الوالي ليقنعه، فلم يجادله بالفقه والدين؛ لأنه يعلم، والوالي يعلم، أن المسألة ليست من مسائل الدين، إنما من مسائل السياسة؛ فهو يعلم صدق نيِّة الوالي في درء المفاسد، ومن ثمَّ جلب المنافع، علم ابن أبي عتيق أنه جانب الصواب في الوسيلة، فأقنعه، بالعمل دون الجدل، أن السمع والنغم يجلبان المنافع ويدرآن المفاسد إذا وُضِعا في صحيح مكانهما، وأنهما مقيمان للحضارة وصلاح الدين والدنيا. فها هي المغنِّية المثقفة العالمة أقنعته بحسن لفظها وروايتها أشعار وأيام العرب أن السماع والنغم لا يرتبطان ضرورةً بنتائج الفساد، بل إنهما مثل أي أمر من أمور الدين والدنيا؛ إذا وُضع في صلاحٍ صلح، وإذا وُضع في فسادٍ فسد.

ولننطلق من مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى العراق، الكوفة؛ حيث واحد من أقسى الولاة وأشدهم، تختلف فيه وجهات النظر بين المدح والقدح، والكلام هنا عن النغم والجمال، فنبتعد عن حكم المؤرخين على الأشخاص..

المجلد الأول ص295، ينتهي السند إلى ابن كناسة الكوفي:

“حرَّم خالد بن عبدالله القسري الغناء بالعراق في أيامه، ثمَّ أذن للناس يوماً في الدخول عليه -عامّةً- فدخل إليه حنين ومعه عودٌ تحت ثيابه، فقال: أصلح الله الأمير كانت لي صناعةٌ أعود بها على عيالي فحرَّمها الأمير، فأضر ذلك بي وبهم، فقال: وما صناعتك؟ فكشف عن عوده

وقال: هذا، فقال له خالد: غَنِّ! فحرَّك أوتاره وغنَّى: صوت

أيها الشامت المعيّر بالدر             أأنت المبرّأ الموفور

أم لديك العهد الوثيق من الأيّام          بل أنت جاهلٌ مغرور

من رأيت المنون خلّدن أم من        ذا عليه من أن يضام خفير؟

قال: فبكى خالد، وقال: قد أذنت لك وحدك خاصَّةً، فلا تجالسن سفيهاً ولا معربداً.

فكان إذا دُعي قال: أفيكم سفيهٌ أو معربد، فإذا قيل له: لا. دخل حنين”.


والحق أنه حتى القرن التاسع، كان الجدل في مسألة النغم والسماع يختلف عن حاله اليوم؛ فها نحن نقرأ “حرَّم خالد الغناء”، فالكل يعلم أن المحرِّم شخصٌ لضرورةٍ؛ لكن هنا فهذا القادم من البادية بكل ما تحويه من خشونة العيش، بكى وفهم أن ما يريد من نزع أسباب الخمول والكسل ليس هذا مسلكه؛ فقد ذهب خالد القسري إلى العراق وبها قلاقل وبها خرابٌ بسبب قلة الإنتاج واتكال الناس فيها على أُعطيات الخليفة من الفيء.. إلخ، فسبَّب ما اعتادوا من ترفٍ خمولاً عند القوم حينذاك فقلَّ الإنتاج.

أراد خالد أن يُذهب أسباب الفساد الناتجة عن سوء فهم مفهوم رغد العيش، ليس رغد العيش نفسه، أراد أن يُعيد الإنتاج والنظام، فظن أن الغناء مما يُحرَّم على الناس ضمن نتائج الفساد؛ لكنّه لمّا سمع النغم غير مقرون بمظاهر الفساد، عرف وأدرك مكمن خطاب الروح فيه.

Copyright ©2021 Mustafa Said. All Rights Reserved. | Developed by: Mathew Osama