رأيٌ في صورة العود السباعي 

تراث النغم
مُصْطَفَى سَعِيد
عازف وباحث في علم النغم
المقال منشور في مجلة تُراث - أبو ظبي- العدد ٢٤٩ يونيو ٢٠٢٠.
وَرَدَتْ إلينا من متحف ثقافات حوض البحر المتوسّط  (MUCEM) في مرسيليا، صورةٌ لصفحة من مخطوط بغرض التعليق عليها، وقد وُجِدَتْ في أكثر من مكانٍ، وأهمّ المواضع التي نُشِرَتْ فيه مجلّة فكر وفنّ الألمانيّة الصادرة باللغة العربيّة (العدد18-1971)، وقد قامَ عليها جدلٌ ودجلٌ وتحاورٌ وتشاتم. والمحقّق هنا يحاول البُعد تماماً عن كلّ هذا، بعد الاطّلاع عليه للاستفادة من صالح ما تضمّنه؛ فهناك قاماتٌ أبدَتْ رأيها فيه كالعالمين: الحاج هاشم الرجب وطارق عبدالله، وغيرهما كثر. وبعد الاطّلاع والاستفادة رأَى الباحث التركيز على محتوى الصورة والتعمّق فيها بالاستعانة ما أمكن بأعينٍ ترَى الخطوط من منظور مدقّقٍ وتفرّق القديم والحديث، وهنا يجدر بنا شكر الأستاذين الفاضلين المدقّقين وليد علاء الدين وعهدي محمود.
 هذا نصٌّ ما كُتِب فوق رسمة العود: "هذا رسم عود (المثمر) آخر اختراع الفارابي بتصحيح النديم إبراهيم الموصلي والنديم ابن معبد والنديم إسحق الموصلي، ووضع أوتاره في ملاويه وتعديله على اصطلاح العراقين في القرن الثاني من الهجرة".

ويبدو أنّ قصده المثمّن وليس المثمر، ويبدو لنا أنّ الكاتب يحاول تقليد أسلوب مصنّفي المصنّفات في النغم المعروفة بـ"السفن" كسفينة الكبيسي والعطّار وشهاب الدين، وكلّها بين أواخر القرن الثاني عشر وأواسط الثالث عشر للهجرة، أي بين أواخر القرن الثامن عشر وأواسط القرن التاسع عشر للميلاد، لكنّه لم يُفلح، في رأي الباحث، في تقليد الأسلوب كتابةً، ولا في ذكر الأسماء التي يريد الإشارة إليها، فهو يريد الإشارة لأبي نصر الفارابي، ومعبد، وإسحق بن إبراهيم الموصليّ، ولم يعش الفارابي في القرن الثاني للهجرة، بل في القرن الرابع، ويبدو أنّه أخفق كذلك في تقليد الخطّ القديم.

وفيما بين القوسين التاليين يبدأ -على ما يبدو- النصّ الأصليّ الموجود في الصورة قبل تحريفه، وسائر علامات الترقيم في من وضع المحقّق: "تنبيه: اعلم أن أسماء أنغام المرقومة تحت الكعب الذي هو محل ربط الأوتار من أسماء مطلق الأوتار، والنهفت المرقوم فيها هو قرار النوى، والنوى جوابه في مطلقهما. وأما العشيران فهو قرار الحسيني في العفق. وأما أسماء الأنغام المرقومة مقابل رقبة العود في أطراف الخطوط المنتهية إلى نقط فوق الأوتار، فهي الأنغام التي تحصل بعفق الأصابع على النقط الموضوعة على الأوتار، كل نقطة منها في مقرها لا تنتقل عنه.

انتبه: وأما الأعداد المرقومة بالأحمر مقابل أسماء الأنغام المرقومة التي هي من واحد إلى ثمانية هي لدلالة أن هذه الأنغام المرقومة فنراها في طبقة واحدة، وما كان خاليًا من هذه الأعداد فهو من طبقة أخرى، إما انحطاطية أو ارتفاعية. وهذه الأنغام المذكورة فهي أنغام الأصول فقط، وأما ما يتفرع منها كالعربات والتيكات والنيمات فهؤلاء لهم مقرات في الأوتار مختلفة أعرضنا عنها لطولها". 
وبذلك ينتهي النصّ الذي يسبق الصورة.
وصف الرسمة والأوتار
وصف رسمة العود وترتيب الأوتار على الملاوي أي مفاتيح الدوزان: الصفّ السفليّ من البنجك من الداخل إلى الخارج، أي من جهة اتّصال البنجك بزند العود إلى آخر البنجك: أوّل مفتاحين "راست" ثم ثاني مفتاحَين "عشيران" وثالث مفتاحين "سيكاه" ثم المفتاح السابع إلى الخارج "نهفت".
الصفّ العلويّ من الداخل إلى الخارج: أوّل مفتاحين من الداخل "نوا" ثمّ مفتاحين "دوگاه" ثمّ مفتاحين "عراقي" ثم المفتاح السابع الأخير "نهفت". آخر مفتاح للخارج في الصفّ السفليّ، نهفت: والنوا الأوّل هو الأقرب لداخل العود، إذن فالتعديل أقرب للتعديل التركيّ العثمانيّ لكن على عود سباعيّ عربيّ، أو كما ورد عند عبدالقادر المراغي "العود المكمل".

المكتوب على الأوتار

أسماء الأوتار المطلقة مكتوبةٌ خارج مربط الأوتار (الفرس) امتداداً للأوتار من أسفل إلى أعلى: "نهفت راست نوى دوكاه عشيران سيكاه عراقي"، الوتر الأوّل العلويّ عراقي، والثاني سيگاه، لا درجات معفوقة عليهما.  الثالث: عشيران: المعفوق عليه بالنقاط: أوّل نقطة: "عراقي، بالجوزاء والبلغم" النقطة الثانية "راست، بالبلغم (ممسوحٌ في المخطوط) ثمّ سنبلة" (يقصد فَلَك السنبلة ليس نغمة السنبلة. فنغمة السنبلة لا تأتي في هذا الموضع فهي في ديوان الجواب حسب التنظير العثمانيّ) ثالث نقطة: "دوكاه، هذه الدوكاه زائدة اصطلحوا (غير مقروء) بالبلغم والسنبلة" (بين نقطة الراست ونقطة الدوگاه أكبر ممّا بين نقطة الراست ونقطة العراقي).

وتر الدوگاه: أوّل نقطة "سيگاه، بالزهرة والدوگاه" النقطة الثانية "جهاركاه، ميزان خاصٌّ بالصفراء".
وتر النوا: النقطة الأولى "حسيني، بالسوداء وعطارد" النقطة الثانية "أوج، كذلك بالزهرة والدم".
وتر الراست: (عند هذا الوتر بالذات وضع على نقطة التقاء الرقبة بالبنجك أي الأنف اسم درجة "راست)، قرار مطلق" النقطة الأولى "دوكاه" النقطة الثانية "سيكاه" النقطة الثالثة "جهاركاه" النقطة الرابعة "نوا"، وهنا تنتهي الرقبة ووضع النقطة قبل التقاء زند العود بالصندوق بمسافةٍ تشبه المسافة بين الجهاركاه والنوا، بين الدوكاه والنوا المعفوقتَين على وتر الراست كتب "الديوان الأوّل" (الألف والنون من ديوان ممحاة).
النقطة الخامسة، داخل وجه العود "حسيني" النقطة السادسة "عراقي" النقطة السابعة "كردانية" (هي درجة الكردان في زماننا هذا، وتعني في التنظير العثمانيّ جواب درجة الراست) وهذه النقطة بالضبط على نصف طول الوتر، كتب عليها مقر جواب كلّ مُطلق (يقصد كلّ وترٍ مطلق) وعلى ثلاثة أرباع طول الوتر داخل الصندوق كتب "جواب جواب كلّ مطلق".

كُتب خارج العود في أعلاه منتصف الصندوق تقريباً: "المبتدا من البنصر والختام بالسبّابة" (قد يكون القصد أنّ نغمة الراست تأتي معفوقةً بالبنصر على وتر العشيران، وأنّ الصعود يكون بالسبّابة، وقد يكون قصده غير ذلك فالنصّ مرتبِك الصياغة في رأي المحقِّق).

أسفل الأوتار في نصف طول الوتر مكتوب: "الديوان الثاني وهو جواب الأوّل" (لا وصف فيه ولا تنقيط).

كُتِب أقصى يمين العود أي آخر الصندوق بعد مربط الأوتار: "كلّ قرارٍ بالبنصر، وكلّ أوجٍ بالإبهام على مجرى التنقيط الموضوع على الأوتار" (حسب المراس وحسب قراءة كتب التنظير والمراس المكتوبة والشفهيّة والمصوَّرة، فلا عفق بإصبع الإبهام الأيسر على زند العود أبداً، إنّما يُعفق بالسبّابة والوسطى والبنصر والخنصر، ويوضع الإبهام مقابل الأصابع العافقة وراء الزند وإنّما يتبع حركة الأصابع دون القبض على الزند، فهل كتبه خطأاً وعنى الخنصر؟ أو له وجهة نظرٍ أُخرى، لا يمكن تأكيد هذا من نسخةٍ واحدة). 

كُتِب في هيئة حاشيةٍ من أوّل الأنف إلى مربط الأوتار وكأنّه يعني الكلام على الوتر المضبوط على درجة راست: "هذه الخطوط والنقط فهي مقرّات الأنغام كما ترى إذا ظلّ الموسيقار في التصليح، فليصلح هذا المقام الموضوع عليه النقط ثمّ يقسم الوتر على هذا التقسيم فأوّل عفقٍ دوكاه والثاني سيكاه والثالث جهاركاه، وهكذا إلى الكردانية يأخذ كلّ نغمٍ ويضعه موضعه إلى أن يصلح المقام المُراد، وهذه (كلمتان مُمْحاتان يرجّح المحقّق أنّ قصد الكاتب "الطريقة الشائعة" أو "طريقة عامّة" أو "نظام أهل الشام" أو ما شابه) في التصليح وأهل مصر لم يصطلحوا على ذلك بل اصطلحوا على طرقٍ صعبةٍ جدّاً في التصليح.

ثم يرد كلامٌ بخطٍّ آخر نُسخ حديثًا بحبر باهت وخط أصغر يبدو في عصرٍ أحدث، ويبدو مكتوبا بقلم حبرٍ عاديٍّ منتصف القرن العشرين مثلاً، يبدو من استعمال الياء المهملة "ى" في آخر الكلام على النهج المصريّ أنّ كاتب هذا الهامش مصريّ أو تعلّم في مصر: "هذا خطّ الإمام الفارابي مخترع العود وهو أوّل نسخة التي انكَتَبَتْ لسلطان ذلك الوقت".

ملاحظاتٌ عامّةٌ 

يعتقد المحقّق أنّ هذا النصّ لا علاقة له بالفارابي إطلاقاً، بل أنّ إقحام الفارابي جاء بعد عقودٍ ربّما قرنٍ كاملٍ أو زيادةٍ بعد كتابة النصّ، وأنّ كاتب النصّ يصف العود الذي في عصره أي هذا العود المستخدم في مصر والشام إبّان الحقبة العثمانيّة وليس له أيّ علاقةٍ لا بالفارابي ولا بالعراق. يرى المحقّق أنّ الصورة قد تكون جزءاً من سفينة العطّار (محمّد العطّار الدمشقيّ) الذي تتلمذ عليه مخايل مشّاقة صاحب الرسالة الشهابيّة، حيث ذُكِرَ في أكثر من مصدرٍ أنّ العطّار استعان برسّامٍ ليرسم له العود، وهذا غير مؤكّد، فإن لم تكن من سفينة العطّار، فمن كتبها نقل تقسيم الأوتار وعلاقتها بالأفلاك والأخلاط الأربعة من العطّار أو ناقلٍ عنه، فالمرجّح أنّ العطّار ترجم هذه العلاقة من كتب كُتِبَتْ بالتركيّة، قد يكون نقل عن أدوار دمتري كنتمير، لأنّ الكتب العربيّة المتكلّمة عن علاقة النغم بالأفلاك سابقةٌ على هذا التنظير، لها تنظيرٌ آخر يختلف تماماً عن هذا التنظير، مثل كتاب الشجرة ذات الأكمام الحاوية لأصول الأنغام "مجهول المصنِّف" أو الإنعام في معرفة الأنغام لشمس الدين الصيداوي وغيرها مصنّفات كثيرة.

المسافات: أربعة أوتار فقط يوجد عليها نقاط مكتوبٌ عليها أسماء الدرجات المعفوقة من أصل سبعة، العشيران والدوگاه والنوا والراست، يعتقد المحقّق أنّ المصنّف أراد تقليد الكتب الأقدم في التنظير على العود ذا أربعة الأوتار كما في سائر المصنّفات الموسيقيّة في العصر العبّاسيّ، على أنّ ترتيب النغمات والتنظير عندهم يختلف تماماً عن التنظير العثمانيّ الحديث الذي اعتمد المصنِّف، فيبدو أنّه اطّلع على مصنّفاتٍ ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، مثلاً، لكن لم يتعمّق في التنظير الموجود فيه، وقد يكون له قصدٌ آخر من وضع نقاطه على أربعة أوتار، وما ذُكِر مجرّد افتراضٍ من المحقّق يحمل الخطأ والصواب.

لا توجد أيّ أرقام على الزند كما ذُكر في النصّ إنّما النقاط وأسماء الدرجات فقط دون أيّ أرقام، فإمّا أنّ هذه الرسمة لم يكتمل وصفها، أي لم تُبيَّض، أو أنّها كانت جزءاً من كتابٍ صرف مصنّفه النظر عن وضعها فيه بعد الشروع فيها، أو لعلّه ما تعرَّضت الصورة له من تحريفٍ قبل بيعها أو عرضها على المستشرقين من قِبَل من رام الارتزاق من بيعها.

 مواقع الأنغام على الزند
لم يلتزم من وضع نقاط الأبعاد على الصورة مواقع الأنغام أبداً على زند العود تنظيراً أو مراساً. فيفترض مثلاً أن نغمة العراقي على وتر العشيران، تحتها ضبطاً نغمة السيگاه على وتر الدوگاه، إلّا أنّها، أي السيگاه على وتر الدوگاه، عند واضع النقاط على الرسمة تأتي فوق الحسيني التي على وتر النوا وتحت الراست على وتر العشيران، وهذا لا يصحّ لأنّ الراست على وتر العشيران موقعها ليس في هذا الموضع من الحسيني، وكذلك السيگاه كما أُشير. ووضع الدوگاه المعفوقة على العشيران فوق الجهاركاه على وتر الدوگاه أيضاً لا يستقيم، فيُفترض أنّ الراست على وتر العشيران هي ما فوق الجهاركاه على وتر الدوگاه ضبطاً، فالجهاركاه ثالثةٌ صغيرةٌ من مطلق الدوكاه، والراست ثالثةٌ صغيرةٌ من مطلق العشيران حسب التنظير العثمانيّ. وإنّما تأتي الدوگاه على وتر العشيران في نفس موضع ونسبة الجهارگاه على وتر الراست، فكلتاهما رابعةٌ تامّةٌ من وترهما المطلق، الجهاركاه رابعة مطلق الراست، والدوكاه رابعة مطلق العشيران حسب التنظير العثمانيّ.  فتوالي الأنغام صحيحٌ حسب التنظير العثمانيّ الحديث، لكن مواضعها على الزند خاطئة أغلب الأوقات وإن صحّت في التتالي على كلّ وترٍ إذا غُضَّ الطرف عن مواضعها حسابيّاً، أي بحساب الأبعاد رياضيّاً بنسبة كلّ بعدٍ إلى طول الوتر. 
أغلب الظنّ أنّ واضع النقاط على رسم العود ليس من رسم العود، فأسلوب الكتابة شاميٌّ والعود المرسوم أشبه بالعود الشائع استعماله بين أهل مصر أي العود ذا سبعة الأوتار، لا يعني هذا عدم استعماله في الشام، فقد ذُكِر عند مخايل مشّاقة في الرسالة الشهابيّة، وقد قرأ مخايل مشّاقة النغم على أساتذةٍ شوام ثمّ مصريّين أثناء دراسته الطبّ في القاهرة ودمياط، لكن أغلب رسم العود ذا سبعة الأوتار في تلك الفترة كان في القاهرة، مثل رسمة اللجنة العلميّة أثناء حملة ناپليون الظاهرة في الجزء الثامن من وصف مصر تصنيف فيلوتو، وأُخرى رسمها إدوارد لين في كتابه عن مصر الحديثة، أمّا أهل الشام، فغلب عليهم في المراس العود ذا خمسة الأوتار كالموجود في البلاط العثمانيّ آنذاك. احتمالٌ آخر أن يكون الوضع في الديار الشاميّة كما كان في الديار المصريّة، أي أنّ المغنّي الضارب كان يستعمل عوداً بخمسة أوتار، والضارب غير المغنّي كان يستعمل عوداً بسبعة أوتار، والشاهد في هذا أغلب الحكايات الشفهيّة القائلة مثلاً أنّ عبده الحامولي كان ضمن أعضاء تخته أحمد الليثي على العود، على أنّه، أي عبده الحامولي، كان يعزف على عودٍ أثناء الغناء، أي أنّ عودان كانا يعزفان متجاورين في تختٍ واحد، واحدٍ للضرب المستمرّ، والثاني للمصاحبة في الغناء على الأرجح، وقد يكون الأمر غير ذلك، أي أنّ العودين يعزفان طوال الوقت في غير تشويشٍ على بعضهما، ذُكِر في تلك الحكايات هذا الفارق بين العودَين، عود الليثي بسبعة أوتار، وهو، أي الليثي، الضارب دون غناء، وعود الحامولي بخمسة أوتار، وهو من يغنّي ويصاحب نفسه بالعزف على العود.
ليس الغرض من هذا التحقيق قدحاً أو إشارةً لمساوئ عملٍ دون محاسنه، إنّما هي فترةٌ كانت أمّتنا فيها تبحث عن أسباب نهضتها وساد الجدل في كيفيّة تلك النهضة المنشودة: هل تُبنى نهضة الأمّة من داخلها مع الأخذ بأسباب التطوّر وتراكم الخبرات الإنسانيّة؟ أم تُبنى النهضة باستيراد النتائج وطبعها كما هي في حضارتنا مهما، محَتْ من تراث الأمّة؟
على الجهة الأُخرى من البحر الأبيض المتوسّط، برزت حركةٌ استشراقيّةٌ للبحث في حضارة أمّتنا، من أولئك المستشرقين من صدق النية، ومنهم من يتعدّى غرضه خدمة فكرة العنصريّة الاستعماريّة وتفوّق العرق الأبيض. غاية الأمر أن ظهر في أمّتنا من آمن بتفوّق المستعمر ودنوّ أمّته، حتّى تماهى تماماً مع تلك الدونيّة فاستجاب لهزيمة النفس وفعل كلّ ما يُفعَلْ لإرضاء هذا الباحث المؤمن بتفوّقه ولم يعنه من كلّ هذا إلّا الكسب المادّيّ. قد يكون هذا وراء التحريف الكائن لهذه الصورة، بل ليس فقط هذه الصورة، إنّما للعديد من المصنّفات العربيّة في سائر العلوم والآداب ومجالات البحوث.
ليس دور المحقّقين إلقاء اللوم على أحد، فتلك فترةٌ انقَضَتْ، إنّما إبراز هذا التحريف فلا يقع في خرافاته من لم يأخذ بأسباب البحث والتمحيص. فدور المحقّق إذن الإرشاد بالحسنى وبيان مواضع الإصابة والخلل فيما يحقّق بالافتراض دون اليقين وبالتواضع دون الكبر. فبعد صدق التحقيق والبحث، من اختار الدجل والتحريف فإنما اختياره بإرادته لا سهواً، وأمّا دون التحقيق ودقّة البحث، فاختيار الدجل قد يكون سهواً أو استسهالاً أو حتّى عدم إدراكٍ لآليّات التحقّق والبحث.

أخيراً فإن حفظ التراث ليس غاية، بل وسيلةٌ للتطوّر والتقدّم والمعاصرة، فإن بات الحفظ غايةً أصبح التراث متحفاً، وأضحت الحضارة ماضٍ، حينها ضياعه وحفظه سواء. أمّا حفظه باعتباره دليلاً ومرشداً لمعرفة الأمّة حضارتها وحقيقة أنّ التطوّر ممكن، وأنّ الإنسانيّة سواء، فهذا دورٌ يجعل من التراث خير مبشّرٍ بازدهار المستقبل.

 

Copyright ©2021 Mustafa Said. All Rights Reserved. | created by Dahlia Rashad