إسحاق بن إبراهيم الموصلي وولاية القضاء

حكايات أهل النغم ودلالاتها من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني
 مُصْطَفَى سَعِيد

عازف وباحث في علم النغم
المقال منشور في الموقع الإلكتروني لكيوبوست -أبو ظبي- ، سبتمبر٢٠٢٢

كان إسحاق بن إبراهيم الموصلي ممن يُطلق عليهم في زماننا “شخصية موسوعية”، وقد عرفه الناس بالغناء دون سائر العلوم التي أتقنها؛ لأن كل علم أتقنه كان له فيه نظيرٌ إلا الغناء، فقد سبق كل أهل الغناء في زمانه علماً وعملاً.

والقصد بالغناء ما نسمِّيه في زماننا “موسيقى”؛ فالغناء لم يكن يقتصر على الصوت فقط كما هو مصطلح عليه في زماننا، بل العزف على سائر الآلات واستيعاب النظام النغمي والإيقاعي، وما لزم هذا من معرفة بالأدب واللغة؛ بل وحتى آداب المجلس والمعشر. أما الموسيقِي بكسر القاف والياء المُعجمة “ي”؛ فاصطلاحه الأصلي علمٌ رياضيٌّ بحتٌ يعنى بهندسة الأبعاد والموجات الصوتية، وهذا موضوع يطول شرحه.

نعود إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي؛ ولنبدأ بما رواه هو عن نشأته ونُقل في صفحات كتاب الأغاني، المجلد الثاني ص5، بحذف الإسناد روم الاختصار، ومَن شاء يرجع إلى الأصل:

“عن إسحاق قال: بقيت دهراً من دهري أغلس في كلّ يومٍ إلى هشيم فأسمع منه ثم أصير إلى الكسائي أو الفرّاء أو ابن غزالة، فأقرأ عليه جزءاً من القرآن، ثمَّ آتي منصور زلزل فيضاربني طريقتَين أو ثلاثة، ثمَّ آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتاً أو صوتَين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدِّثهما، فأستفيد منهما، ثمَّ أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومَن لقيت وما أخذت وأتغدَّى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد.


كتاب-الأغاني-طبعة-دار-صادر

 

حدَّثنا المخرمي عن أبيه، قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: صرت إلى سفيان بن عيينة لأسمع منه فتعذَّر ذلك عليَّ وصعب مرامه، فرأيته عند الفضل بن الربيع فسألته أن يعرِّفه موضعي من عنايته ومكاني من الأدب والطلب وأن يتقَّدم إليه بحديثي، ففعل وأوصاه بي، فقال: إن أبا محمد من أهل العلم وحملته. قال: فقلت: تفرض لي عليه ما يحدثني به فسأله في ذلك، ففرض لي خمسة عشر حديثاً في كل مجلس، فصرت إليه فحدثني بما فرض لي فقلت له: أعزَّك الله صحيح كما حدَّثتني به، قال: نعم، وعقد بيده شيئاً قُلت: أفأرويه عنك، قال: نعم، وعقد بيده شيئاً آخر، ثم قال: هذه خمسة وأربعون حديثاً، وضحك إليَّ، وقال: قد سرَّني ما رأيت من تقصِّيك في الحديث وتشددك فيه على نفسك فصر إليَّ متى شئت حتى أحدثك بما شئت”.

فقد كان، بشهادة أهل زمانه، نهماً للعلم وتحصيله والإبداع فيه، وها هو عبدالله بن المعتز في بديعه يقول عنه: “مات إسحاق بن إبراهيم الموصلي وهو أشعر أهل زمانه”؛ يقصد أن كل فحول الشعراء الذين فاقوه ماتوا قبله، فحين مات كان هو أبلغ شعراء زمانه في نظم الشعر، وقصائده تشهد ببراعته، وكان محترماً مبجَّلاً عند أهل الحديث والفقه والأدب.

نعود إلى أبي الفرج في حديثه من نفس موضع الاقتباس السابق:

“حدَّثنا أحمد بن أبي خيثمة، قال: كنت عند ابن عائشة فجاءه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فرحَّب به، وقال: هاهنا يا أبا محمد إلى جنبي، فلئن بعدت بيننا الأنساب لقد قرَّبت بيننا الآداب”.

أول وظيفة في الدولة لإسحاق بن إبراهيم الموصلي كانت موسيقياً في بلاط هارون الرشيد، سعى لتعيينه فيها أبوه إبراهيم بن ماهان الموصلي، فترقَّى في الوظائف حتى وصل إلى كبير الموسيقيين، والإشراف على الأمسيات التي تُقام للخليفة في بلاطه، ثم تدرَّج في الوظائف حتى أصبح من مستشاري المأمون وخواص رجال دولته، فأصبح يدخل على الخليفة في مجلسه الاستشاري ثم يجلس معه في الأمسيات الموسيقية مع ندمائه، فإذا طُلب منه الغناء غنَّى: وقد تُروى قصة ترقِّيه في المناصب في هيئة الأساطير؛ لكن تبقى نفس النتيجة.

المجلّد الثاني ص15:

“سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنِّين، فإذا أراده للغناء غنَّاه فأجابه إلى ذلك ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء، فأذن له.

قال: فحدَّثني محمد بن الحارث بن بسخنّر أنه كان هو ومخارق وعلويه جلوساً في حجرة لهم ينتظرون جلوس المأمون وخروج الناس من عنده؛ إذ دخل يحيى بن أكثم وعليه سواده وطويلته ويده في يد إسحاق يماشيه حتى جلس معه بين يدي المأمون فكاد علويه أن يجن، وقال:

يا قوم أسمعتم بأعجب من هذا! يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغنٍّ حتى يجلسا بين يدي الخليفة!”.

وبصرف النظر أن هذه الحكاية صيغت لتبرير غبطة علويه وأغلب أهل النغم من إسحاق، والمكان الذي وصل إليه نفوذاً في الدولة؛ فلم يكن من أهل النغم من وصل إلى هذا النفوذ في أية دولة في الإسلام ولا قبله.

ولعل بداية توظيف إسحاق بن إبراهيم الموصلي في البلاط بصفته موسيقياً أو نديماً، وربما ما عُرف عنه من مطارحة الجواري، والاشتراك في بيع الرقيق متقني النغم، هو السر الحقيقي وراء عدم تعيين المأمون له في القضاء، وعدم اصطحابه للمقصورة بالسواد في صلاة الجمعة؛ فقد أشاد به في موضعَين بأحقيته من غيره في ولاية القضاء: فها هو يحيى بن أكثم، قاضي قضاة الخليفة المأمون، يشهد له بعد مناظرته الشهيرة مع العطويّ فيخبر العطويّ أنه جار عليه في الحكم فيستشهد بالمأمون:

“كان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء

لوليته القضاء بحضرتي؛ فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة”.


وها هو المأمون في خواصه يكرر نفس الأمر بصيغة أخرى، عودة إلى كتاب الأغاني: أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي،

المجلد الثاني ص5:

“وقد روى الحديث ولقي أهله؛ مثل: مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وهشيم بن بشير وإبراهيم بن سعد وأبي معاوية الضرير وروح بن عبادة.. وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وقد حدَّث جلساء المأمون عنه أنه (أي المأمون) قال يوماً وإسحاق غائب عن مجلسه: لولا ما سبق على ألسنة الناس واشتهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء، فما أعرف مثله ثقةً وصدقاً وعفَّةً وفقهاً. هذا مع تحصيل المأمون وعقله ومعرفته”.

فإن كانت صنعة الغناء نفسها هي ما تخلّ بالإنسان أو تُرى اجتماعياً رؤيةً دونيةً أو محرَّمة، لما قبل أهل الحديث إجازة إسحاق فيه، ولما تشرَّف قاضي القضاة بصحبة إسحاق يداً بيدٍ دخولاً في هيئة مستشاري الخليفة، إنما مسألة ما وراء الغناء من اشتغال ببيع الرقيق المغنِّين والضاربين، كذلك كيف بدأ إسحاق سلكه الوظيفي اختصاصاً بالغناء ما صعَّب انتقاله إلى اختصاصٍ غيره أو سلكٍ آخر بدرجات ترقٍّ مختلفة؛ فقد كانت الدولة حينها ذات نظامٍ وظيفيٍّ -أو ما نسميه اليوم “بيروقراطياً”- صارمٍ جداً، لا يختلف كثيراً عن زماننا الحالي.

والحديث عن إسحاق في النغم يُصنَّف في كتاب لا مقال، وإنما تناولنا هنا أبسط ما يُقال عنه في جانب مختلف عما يُتحدَّث فيه عن مثل هكذا شخصية موسوعية.

Copyright ©2021 Mustafa Said. All Rights Reserved. | Developed by: Mathew Osama