منهج المشايخ المنشدين
هل يمكن إنقاذ الموسيقى المقاميّة العربيّة؟

  

تراث النغم
مُصْطَفَى سَعِيد
عازف وباحث في علم النغم
المقال منشور في مجلة تُراث - أبو ظبي- العدد ٢٤٣ يناير ٢٠٢٠.

المشايخ المنشدون جماعةٌ من أهل النغم نشأوا نشأةً نغميّةً دينيّة، وسبب أسبقيّة النغم أنّ ما يتعلّمون في نشأتهم أصلاً هو النغم، ولا يتعلّمون من باقي العلوم إلّا ما يخدم إتقان هذا النغم.

استمدّ المشايخ المنشدون في الطرق الصوفيّة مادّتَهم النغميّة من تقاليد أقدم كالسريانيّة والقبطيّة والبيزنطيّة وحتّى الزرادشتيّة وسهل اندماج هذه التقاليد في نظامٍ نغميٍّ عامٍّ واحدٍ لقرب نظمها بعضها من بعضٍ حضاريّاً من حيث النغم والإيقاع. وكان هذا النغم دائم التطوّر عبر العصور في الدينيّ والدنيويّ، على أنّ النغم الدنيويّ منذ أوائل القرن العشرين غلب عليه التطوّر عبر الاستيراد، ليس عبر تجديد المحتوى حسب متطلّبات العصر، إلّا أنّ عصرنا الحاليّ يستدعي نهجاً جديداً للتطوّر الذاتيّ، وتحاول هذه الورقة عرض بعض ملامح النغم والمقام التي بقيت عند إنشاد الطرق الصوفيّة وكيفيّة الاستفادة منها في العمل والعلم على حدٍّ سواء.

فمن حيث العمل نفترض أنّ النغمة قائمةٌ بحدّ ذاتها، وأنّ الإنسان يوظّفها فيما شاء من مناسبات الحياة دنياها ودينها، لذا فبقاء هذا النوع من النغم في تقليدٍ شبه دينيّ، يعني انحسارها لا لزومها لهذه الطريقة أو تلك.

أمّا علماً، فلهؤلاء المشايخ المنشدين طريقة تعليمٍ لهذا النظام النغميّ والإيقاعيّ ما من شكٍّ أنّهم طوَّروها عن المنظّرين العرب والفرس والترك خصوصاً من بعد صفيّ الدين الأرمويّ، وقد حفظت لنا طريقة التعليم هذه ليست النظريّة فقط، بل بعض طرق التحكّم في مصادر الصوت لإنتاج بعض الزخارف أو حيلٍ للصعود والهبوط بالنغمات أو الاحتفاظ بالنَفَس. تشهد هذه الطريقة أنّ أسلاف أولئك المشايخ قرأوا كتباً في التشريح ليفهموا أجسادهم ورئاتهم وحناجرهم وأحبالهم الصوتيّة إلى آخر الجهاز التنفسيّ والصوتيّ، على أنّ أحداً منذ ما يزيد على قرنٍ من الزمان لم يهتمّ بدراسة هذا النهج الذي انتقل شفهيّاً لقرون حتّى أوشك على الاندثار في زماننا.

تعتمد هذه الورقة نَهْجاً سرديّاً من خبرةٍ شخصيّةٍ وحواراتٍ مع أهل هذه الطرق، وآخر تحليليّاً في محاولةٍ لإعادة تجميع المادّة التاريخيّة من كُتُب التاريخ لإعادة قراءتها وقراءته، أمّا الحوارات فأغلبها مع من تبقَّى من الجيل الذي أخذ هذا التقليد من مرشدٍ إلى مريد، لا ممن استقى مادّته النغميّة درساً في المعاهد الموسيقيّة الحديثة، ولا ممّن دخلوا بالفطرة دون الدراسة، كما تعتمد الورقة بعض المراجع الموسيقيّة وكتب التاريخ التي تحدّثَت ولو بإشارات خفيفةٍ عن هذا النهج من تعلّم النغم.

لا نعرف بالضبط متى بدأ تنظيم عمليّة تعليم الإنشاد، وما عندنا إشاراتٌ بسيطةٌ لا تحدّد لنا زماناً ولا منهجاً خالصاً بُدِأَتْ منه فكرة التخصّص في تعلّم الإنشاد، على أنّ قراءة بعض المُعطَيات، مثل حكاية ترميم مسجد بن طولون أيّام المؤيَّد لاجين -٦٩٩ه -١٢٩٨م، التي ترد عند صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في تاريخه، وعند المقريزيّ وبن تغري بردي، تُثبِت وجود مدرسةٍ لتعليم المؤذِّنِين، والقُراء، وأنّ أغلب طلّابها كانوا من العميان، ثمّ ما يرد في تاريخ بن طولون، وعند الغزّي في "الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة"، وكليهما دمشقيّ النشأة والوفاة، نجد أيضاً حديثاً في ترجمة أحد أهل النغم، الشيخ عبدالله، ويقول بن طولون أنّه لم يسمع أندى صوتاً منه في أذانٍ ولا قراءةٍ ولا تسبيح، ويُثْبِتُ أنّ له عدّة مريدين صنع بهم جوقةً "كم أدخل البهجة بها على نفوس حاضرة الشام وسائر ربوع بلاد الشام" على ما قال، وذكر أنّ هذه الجوقة أنشدت مع آلاتٍ ودون آلات، وذكر أنّ لهم موعداً معلوماً يتجمّعون فيه، وينقسمون مراحل حسب حداثتهم في الصناعة، وأنّ الحلقة "يعني مكان الدرس" كانَتْ درساً للراغب وطرباً للسامع.

نجد كلاماً مماثلاً عند الجبرتي في تاريخه، لكن يتطوّر الأمر أنّ أولئك الجماعة كانوا يستخدمون بالإنشاد إشاراتٍ بينهم، فيوصلون بها رسائل أثناء الخطر، مثلاً أيّام حملات النهب المنظّمة من مماليك مراد بك وغيرهم قُبَيل الغزو الفرنسيّ لمصر والشام ١٢١٣ه ١٧٩٨م، ثمّ للمقاومِين من أهل مصر للغزو الفرنسيّ، يقول إنّ أغلبهم من مجاوري الأزهر، وقد يُستَنْتَج أنّهم استقوا تعليمهم النغميّ أيضاً في الأزهر، خصوصاً أنّ مدارس التجويد والقراءات التي استمرَّتْ حتّى أواخر القرن العشرين كانَتْ في الأصل تابعةً لمشيخة الأزهر، والكلام لا يخصّ برّ مصر فقط، بل بعض معاهد القراءات في ربوع أُخرى شرقاً وغربا.

أمّا ذكر مدارس بعينها متخصّصةً في هذا النهج، أو طريقة تعليمٍ ما، فمع الأسف، لم يصلنا قبل بعض مجلّات نهاية القرن التاسع عشر الميلاديّ التي تتحدّث، مثلاً، عن المعهد الأحمديّ بطنتدا "طنطا" عاصمة محافظة الغربية، بوسط دلتا مصر والذي ذكره عبدالله النديم في "الأستاذ"، ثمّ صاحب المنار "محمّد رشيد رضا" بالاسم أنّه مستقلٌّ عن الأزهر ويختصّ بعلوم التجويد، وفي موضعٍ آخر يُذكر أنّ أغلب مريديه من العميان، كذلك أغلب المدرّسين فيه.

مصدرٌ آخر مهمٌّ لمعرفة شيءٍ عن هذه الجماعة، بعض حواراتٍ أجراها الباحث مع مريدي هذه المدرسة قبل اندماجها في مدارس التعليم العاديّة فتصبح كسائر مدارس الأزهر بمنهجه العاديّ، وخبرة الباحث الشخصيّة مع جماعة المشايخ في صباه ودراسته معهم في طنطا والقاهرة.

لا يمكننا التأكّد من نشأة هذا النظام التعليميّ، ولا نستطيع تصوّر تسلسلٍ لمراحل هذه المدرسة من تطوّرٍ أو تدهور، لكن يمكننا إدراك بعض اطّلاعاتهم، وما استقوا منهم مادّتهم التنظيريّة وسرديّتهم التاريخيّة وربطها محاولةً لتحصيل الممكن من المُتاح.

يفتخر المشايخ أنّ نغمهم له جذورٌ تمتد لآلاف السنين، ويقولون إنّ أساس قواعد الإنشاد علم التجويد والقراءات "وهي العلوم التي تدرس قراءة القرآن"، يعرّفون بلال بن رباح أنّه أوّل منشدٍ وأوّل موسيقيٍّ في الإسلام، كذلك عبدالله بن مسعود، "وهو أشهر قرّاء القرآن في بداية الإسلام أي عصر النبوّة وصدر الإسلام كما يُسمّى في كتب الأخبار"، يعرفون بن ذريحٍ وبن مسجح وسكينة بنت الحسين "راعية النغم في زمانها"، ويعرفون معبد وإبراهيم الموصليّ وابنه إسحق وزرياب وغيرهم كثر، لكن أوّل مَن يذكرون من أصحاب المصنّفات في النغم، صفيّ الدين الملك، ولو رجعنا لكتب التاريخ، نجد في ترجمة صفيّ الدين الأُرمويّ البغداديّ عند يوسف بن تغري بردي، نجده يلقّبه بالملك، أي ملك النغم، ثمّ نراهم يذكرون الشجرة، وسفينة شهاب، والمعروف أنّ أكثر الكتب شيوعاً في فترة العثمانيّين قبل الغزو الفرنسيّ في مصر كان كتاب الشجرة ذات الأكمام الحاوية لأصول الأنغام، "مجهولة المصنِّف"، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان أشهر المصنّفات سفينة الملك ونفيسة الفلك "لمحمّد شهاب الدين" المعروفة بسفينة شهاب، وحين يُحدِّثوك عن أثر النغم في النفس علاجاً، يقولون إنّ هذا قول بن سينا الحكيم، أو الوزير، "رغم تأليف بن سينا فصولاً في الموسيقى، إلّا أنّه يُعرَف عندهم بالطبّ لا بالنغم"، كذلك حين يتحدّثون عن تقسيم المناطق التي يخرج منها الصوت من الجسم.

 فكرة المنشد والبطانة

رغم عدم وحدة إجابة المشايخ حين سؤالهم عن المنشد والبطانة إلّا أنّهم توحّدوا على أصولها الأقدم من تقليدهم الحيّ، اختَلَفَتْ الإجابات تبعاً لتوجّه المُحاوَرِ القوميّة وانتماءاته وعوامل كثيرةً لا محلّ هنا لذكرها، ففي أثناء دراسة كاتب هذه الأسطر مع المشايخ صغيراً، كانت أغلب الإجابات أنّ البطانة أصلها غناء الشعب مجاوباً راعي الكنيسة في القدّاس، وأنّ هذا ليس فقط عند الأقباط إنّما أيضاً عند الروم والسريان، على أنّ حواراً مع الشيخ محمّد الهلباوي سنة 2008 يذكر فيه جداريّة تختنيان في الكرنك، وهو ما لم نجد له مصدرًا آخر، ويقول إنّ المنشد والبطانة أَتَتْ من هناك، وفي حوارٍ مع الشيخ سعد الدين النمر سنة 2019، أشار إلى التأثّر بالغناء الكنسيّ إلّا أنّه زاد أنّ هذه فطرة الاجتماع عند الناس، وأنّها موجودةٌ قدم وجود النغم نفسه، والنغم موجودٌ حتّى قبل الإنسان عند الطير المغرّد والسمك السابح وحتّى في صوت الهواء.

لكن غناء البطانة مع المنشد لا يخصّ حلقة الذكر، ولا أيّ تسبيح أو طقساً اعتياديّاً، إنّما شيءٌ يحضَّر له، ولا غرض منه إلّا صافي الإنشاد، والتحضير لكيفيّة التعامل مع المنشد الفرد، فالتفريد مُرْتَجَلْ، فكيف ستستلم البطانة وتسلّم؟ كيف يتوقَّعون إن كان المنشد المُفَرِّدُ يريد الإعادة أم الانتقال؟

تلك العمليّة التعليميّة التي لا تكفي فيها الفطرة، بل تُدَرَّس من المُرشِد لمريديه ضمن ما يُدرَّس، وهنا نأتِي على شيءٍ من الإجمال لعمليّة التدريس هذه دون تفصيلها، حيث إشكاليّتنا: هل تصلح هذه المادّة نواةً للنهوض بمَنْ رام دراسة النظام النغميّ المقاميّ عموماً وتقنيات الغناء خصوصاً؟

من المرشد إلى المريد 

لم تصل إليّ أيّ كتب تتحدَّث عن هذه العمليّة التعليميّة التربويّة من المرشد للمريد عند المنشدين إلّا ما أُشِير إليه سابقاً، وبعض عبارات وردَتْ في أبحاث معاصرةٍ تحدّثَت عن الأطر الاجتماعيّة أكثر من العمليّة التعليميّة، لذا فالاعتماد على ما درس الكاتب في صباه، ولقاء مشايخ أفدت منهم الكثير مثل المشايخ: أحمد عمارة ومحمّد عمران وعبد التوّاب البساتيني وصابر الطنطاوي وأحمد مجاهد وشعبان المقدّم وغيرهم، وبعض حوارات مع قدامى المشايخ الذين أدركهم الباحث كبيراً مثل المشايخ: محمّد الهلباوي وسعيد حافظ وممدوح عبد الجليل وسعد الدين النمر، وبعض المشايخ الأصغر سنّاً الذين أدركوا شيئاً من طريقة التعليم هذه، مثل الشيخ إيهاب يونس.

تشكّل المواسم والموالد هي مجال التدرب العمليّ على ما عُلِّمَ في حلقات الدرس، فالتدريب إذن غير منتظمٍ ولا دوريّ، ولا تقسيم فيه لمستويات، ما قد يشتّت فكر المتعلّم وقد يكسبه خبرات أُخرى في نفس الوقت. أمّا حلقة الدرس فيُتَّفق عليها مبدئيّاً زماناً ومكاناً، لكن منها ما يأتي مصادفةً دون اتّفاقٍ بحضور أحد العلماء في مجالٍ ما، أو حضور أحد المنشدين المعروفين بالجودة.

لا شرط للسنّ، لكن يجلس المريدون في مجموعاتٍ صغيرةٍ حسب عمرهم دون تعمّد تنظيم هذا، وهناك بضع عواميد يتنقَّل بينها المريد، لكن يُبدأ معه بحفظ القرآن، ثمّ الشعر وشيءٌ من الأدب. حين يقطع شيئاً من هذا، يستمرّ فيه لكن يذهب إلى حلقاتٍ أُخرى فيتعلّم النحو والصرف، ثمّ الأوزان والعروض، يتزامن معها فنّ الخطابة والإلقاء، وفي نفس هذه الحلقة تُعلَّم علوم القراءات والتجويد. يُدرَس أيضاً شيءٌ من الفقه والحديث والعقيدة وعلم الكلام، أي المنطق. وشيءٌ من السير والتاريخ.

أمّا حلقة الدرس الأزحم والتي لها أغلب اليوم، فهي حلقة النغم والغناء، فهذه يجتمع فيها أكثر من شيخٍ للحلقة، قد يصل لأربعة مشايخ في بعض الحلقات، منهم من يرشد المريدين للأنغام أسماء ومسارات، ومنهم من يرشدهم للأصول وأوزانها وطريقة عدّها، ومنهم من يرشد للحفاظ على الطبقة، أو اتّباع المجموعة في الغناء، ومنهم من يرشد إلى كيفيّة إخراج حرفٍ ما أو استخراج حليةٍ ما بوضع براعم تمارين لمثل هذه التقنيّات، وتلك ما يركّز عليها بحثنا هذا.

ملخّص مراحل تجهيز المنشد

يبدأ معلّم التقنية تعليم المريد كيفيّة إخراج كلّ حرفٍ على حدة، تعليمه أسماء الأعضاء المسؤولة عن إخراج الصوت لشرح مسار كلّ ساكنٍ أو متحرّك، ثمّ يعلّمه أخذ النفس من المنخار، وتركيز إخراجه من الحلق والشفتَين في المُدُود، حتّى أنّه يطلب إغلاق فتحتي الأنف بالأصابع لعدم استسهال استخدامهما في الحروف الممدودة، وبالطبع ضمن هذا يبدأ تحفيظ المحصول، لذا، يُسمَحْ له حين التمثيل فتح فتحتَي الأنف فقط في حرفَيْ الميم والنون. بعد هذا يعطى كيفيّة الثبات على الدرجة، والانتقال منها وإليها من كافّة الدرجات دون معاناةٍ أو بحثٍ عنها، فعندهم أنّ الثبات على الدرجة أسهل من هزّها أو الالتفاف حولها، حتّى لو ظُنَّ عكس هذا، ويعطون على هذا بعض تمارين تمزج تتالي الدرجات مع قفزاتٍ تصل إلى أكثر من ديوانٍ أحياناً.

بعد إتقان المريد الثبات على الدرجات والانتقال بينها بسهولة، يكون المريد ذا محصول أكبر من الموشّحات والردود والتواشيح (قوالب الإنشاد الأكثر شيوعاً)، يُدرَّس بعض الحيل الصوتيّة التي تُستَخْدَم في الحليات، كالرجفة والصهلة والتدوير والترجيع والحبس والرجّ إلى آخر هذه الحيل التي يتلذّذ بسماعها السامع وإن لم يُدرِكْ ماهيَّتَها أو كيفيّة حدوثها، فالأهمّ هنا الأثر النفسيّ الذي تُحدِث هذه الحيل والتقنيات على المستمع.

حينئذٍ يكون المريد جاهزاً للانضمام للبطانة، فينتقل التعليم تدريجيّاً من التقنية البحتة إلى الأسلوبيّة والتعبير تنويعاً وارتجالاً.

في هذه المرحلة يُركَّز أكثر على التحفيظ، ويكون المريد بالفعل في دروسه الأُخرى حفظ قدراً لا بأس به من القرآن والشعر وأضحى على قدرٍ لا بأس به من معرفة قواعد اللغة والبيان والخطابة. 

وفي النغم، بعد أن تعلّمَ النغمات السبع الأصول، يباشر مراسها وأخذ قسطٍ من الفروع، "أي المقامات" ثم المقامات المركَّبة كذلك يباشر حساب تركيب الضروب الإيقاعيّة وعلاقتها بالتفاعيل في أوزان الكلام وبحور الشعر، وليس هنا مجال بحثها.

وعلى صعيد التقنية يمارس مع البطانة كيفيّة التحكّم في مستوى الصوت خفوتاً وجهراً على درجةٍ واحدة، كما يتعلّم كيفيّة تماهي الصوت مع الجماعة وبروزه بالتحكّم في عضلات التنفّس والحنجرة والأحبال، كما يتعلّم تنفيذ جملةٍ واحدةٍ بأكثر من طريقة زخرفةٍ وتحلية، ويراعي المرشد أن يعطيه جملاً في مناطق الصوت المختلفة، وبقفزاتٍ مختلفة الأبعاد، وبنصوص متنوّعة السواكن والمتحرّكات لفظا.

النتيجة أنّ المريد يمسي ملمّاً بآداب الغناء الجماعيّ، وقادراً على الارتجال تنويعاً على اللحن المراد تنفيذه مراعياً في هذا أيضاً آداب الجماعة، أي إعطاء الفرص للجميع للتنويع والتزيين واحترام مواضع السكوت والتفريد. كما يكتسب خبرة الاستلام والتسلّم بالإعادة أو الإكمال حسب الرسوّ والقفلات الناقصة والتامّة، إلى آخر قواعد التسليم والاستلام.

انتقال المريد إلى التعلّم الذاتيّ

بنجاح هذه المرحلة ينتقل المريد إلى التعلّم الذاتيّ، فهو الذي يلزم شيخاً يختاره ليقرأ عليه ويُجاز منه، وهو السائل عن المعلومة، لا يُلقَّن، وهو الذي يختار الكتب أو القصائد أو القراءة التي يريد أن يُجاز فيها، ولزومه الشيخ لاكتساب مهارات التفريد والارتجال داخل عملٍ ما أو خارجه، بل وتعلّم صياغة لحنٍ والانتقال بين الأنغام البسيطة والمقامات الفرعيّة، كذلك الضروب الإيقاعيّة أصولها البسيطة وفروعها المركّبة طويلة العدد، ثمّ كيفيّة اختيار الشعر المناسب، من حيث اللفظ والمعنى والذوق، وفوق هذا كلّه آداب التعامل مع المستمعين والبطانة.

بعد تمام هذه العمليّة التعليميّة التأديبيّة، يقترح الشيخ المرشد على المريد إجازته، فيرفض المريد مرّةً واثنَتَين وثلاثاً وأكثر حتّى يقول له الشيخ المرشد أنّه يستحقّ الإجازة وأنّه، أي الشيخ المرشد، ليس لديه ما يعطيه علماً، وأنّ باقي العلم يكتسبه من الحياة.

حينها يجتمع المشايخ المرشدون ويكونوا هم بطانة المريد الذي سيُجاز، فيكونون بطانته ومجيزوه تواضعاً منهم لعلمهم وتقديراً لمن قطع هذه المسيرة معهم.

لا مدّة محدَّدة لهذه المسيرة التربويّة التعليميّة، من الناس من يقطعها في أقلّ من ثلاث سنوات، ومنهم من يقطعها في عشر، ولا تعني المدّة للمرشدين أو المريدين أيّ شيءٍ من حيث الإجادة أو التحصيل، بل كلٌّ حسب ما صُرِف له من القدرة وكلٌّ حسب ما يستطيع من وقتٍ وجهد، فمنهم الطفل المتفرّغ، والدارس في مدارس أُخرى، ومنهم المراهق الراغب في ملذّات الحياة والعامل بل والراشد الذي لديه من يعول، وكلٌّ مُرَحَّبٌ به.

بعرض ملخَّصٍ لهذه المسيرة التربويّة التعليميّة، آعتقد أنّ تكرار هذه العمليّة قد لا يجدي، فقد تغيّر الزمن واختَلَفَت سُبُل العيش وطرق تحصيل العلم، لكن: ألا يمكن توظيف بعض آليّات هذه الطريقة نواةً لنظام تنشئةٍ تربويٍّ نغميٍّ ينفع طلّاب النغم عموماً؟

ألا يمكن أن تكون تمارينهم البراعم نواةً لطلّاب الغناء فيكتسبون هذه الحيل وطرق الأداء بديلاً عمّا يتعلّمون من مادّةٍ تقنيّةٍ لا تشبع الغناء في الموسيقى المقاميّة الناطقة بالعربيّة، "فصيحها وعامّيِّها"، فيصبح المغنّي كأنّما يغنّي لغةً بغير طريقتها!

أليس هذا علاجاً مُحتَمَلاً للتعقيدات التي يواجهها الدارس للنظام المقاميّ عموماً؟ حتّى أنّه أصبح يغنّي بالعربيّة أو السريانيّة أو القبطيّة بقواعد لا تمتّ لهذه المادّة اللغويّة بصلةٍ فانفصم العقل وضاع بين النظريّة والمراس!

منهج-المشايخ-المنشدين-1
منهج-المشايخ-المنشدين-2
منهج-المشايخ-المنشدين-3
منهج-المشايخ-المنشدين-4-
منهج-المشايخ-المنشدين-5-

Copyright ©2021 Mustafa Said. All Rights Reserved. | created by Dahlia Rashad