عبقرية الشريف في معارضة عبد الوهاب

تراث النغم
مُصْطَفَى سَعِيد
عازف وباحث في علم النغم
المقال منشور في مجلة تُراث - أبو ظبي- العدد ٢٥٤ ديسمبر  ٢٠٢٠.

عُرِفَ "الهزل" في الأدب، ليس فقط للسخرية -التي لها الآن فرعٌ في الأدب يعرف بالأدب الساخر وفي الصحافة أيضاً، بل المقصود الهزل لغرض المفاكهة بين الأدباء وطرح الجدّ والكلفة لغرض الممازحة.

لم يقتصر هذا على الجلسات وكتب الأخبار الحافلة بالهزل بين الأدباء حتّى في مجالس الخلفاء، بل حتّى في الصحافة الحديثة، فنرى في المؤيّد والزهور مفاكهاتٌ بين الأدباء، فيكتب شوقي قصيدةً بديعةً مطلعها:

مالَ واحْتَجَبْ   وادَّعَى الغَضَبْ
لَيْتَ هاجِرِي     يَشْرَحُ السَبَبْ

فيعارضه حافظ:

مالَ وانْخَبَطْ   وادَّعَى العَبَطْ
لَيْتَ هاجِرِي    يَأْكُلُ الزَلَطْ

لم يُسمع عن مشاجراتٍ أو خلافاتٍ نتجت عن أدب الهزل إلّا فيما ندر.

الأمر في النغم جرى نفس المجرى، فمنذ قديم الأزل، نعرف أنّ مغنّين أنزلوا كلاماً هزليّاً على ألحان جادّة، يورد هذا مؤرّخون من أمثال صلاح الدين خليل بن أيبك الصفديّ، ويتوسّع فيها يوسف بن تغري بردي الظاهريّ، وغيرهما كثرٌ على مدى القرون. 

تشهد تسجيلات أوّل القرن العشرين بمثل هذا أيضاً، فنجد السيّد قشطة ينزل كلاماً هزليّاً على ألحان الموشّحات، بل ويسخر أحمد فهمي الفار من النوع الجديد من الغناء الظاهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، المسرح الغنائيّ، فنجد أسطوانةً معنونةً "روميو وجولييت مضحك" بها نفس لحن الشيخ سلامة حجازي للمسرحيّة، بل ونفس طريقة تمثيله وجوقته، لكن، يتحوّل الحوار من رومنسيٍّ إلى رادِح.

حتّى في أغاني السينما الدارجة منذ بدايتها، نجد أغنيةً نجحتْ في فيلم "الوردة البيضاء" أحد أوّل أفلام السينما الناطقة بالعربيّة، لحن:

يا وردة الحبّ الصافي  تسلم إيدين اللي سقاكِ

 لحن وغناء محمّد عبد الوهّاب، فيعارضه  المضحك الناشئ حينئذ، إسماعيل ياسين ممازِحاً:

يا حلّة العدس الدافي  تسلم إيدين الّي طهاكِ!

لم يُسجّل اللحن المازح، عرفنا عنه فقط من حكايات إسماعيل ياسين عن نفسه، لا يمكن الجزم بأنّ مطرب الملوك حينئذٍ رفض أن يُمزح بلحنه، لذا لم يُسجّل، صحيحٌ أنّه في هذه الفترة، راجت مسألة الحقوق الفكريّة، ولم يعد النغم وأداءه حقّاً عامّاً، بل لصاحب اللحن أن يرفض أو يقبل تسجيل لحنه بصوتٍ آخر أو أداءه في الأمسيات العامّة.

عدم الجزم برفض محمّد عبد الوهّاب راجعٌ إلى أنّه في ألحان أُخرى نجده يوافق على تنزيل الهزل على لحنه، بل واستخدام لحنٍ آخر وتضمينه لحنه، والأغرب من هذا أنّه يعطيه أحدهم ويمنعه آخر، وهذا عين اللحن الذي تقوم عليه هذه الدراسة: طقطوقة "إنتَ إنتَ ولانتَشْ دارِي" نظم حسين السيّد، لحن وغناء محمّد عبد الوهّاب، نُشِرَتْ شتاء سنة 1948 على أسطوانة ذات وجهَين قُطر 25س من إنتاج شركة كيروفون "CairoPhone" المملوكة لصاحب اللحن.

ليست هذه الطقطوقة في فيلم، بل لحنٌ مستقلٌّ له تسجيلٌ واحدٌ نُشِرَ على الأسطوانة مسجّلٌ في أستديو صوت القاهرة "CairoPhone" وليس له تسجيلٌ آخر، مثل بعض أغاني عبد الوهّاب في نفس الفترة حيث لها تسجيلٌ في استديو صوت القاهرة ينشر على أسطوانة، وتسجيلٌ في استديو الإذاعة اللاسلكيّة للحكومة المصريّة للبثّ. أمّا طقطوقة إنتَ إنتَ، أخذت الإذاعة حقّ بثّ نفس التسجيل من شركة الأستاذ عبد الوهّاب.

ذاع هذا اللحن كثيراً بين الناس، نغمته راست، كلامه جذلٌ قريبٌ لذوق الناس حينئذ، صنعة لحنه تامّة المقاميّة، لا تأثّر فيها إطلاقاً بالموسيقى الفصحى الأوربيّة ولا بأيّ طبعٍ نغميٍّ يستخدم النظام السلّميّ، بل مذهبه يكاد يقترب من الألحان الشعبيّة في وجه بحري، يذكّر بغناء محمّد عوض العربي مثلاً.

سمعتُ من أحد الموسيقيّين أنّ هذا اللحن كان منعطفاً دخل به الأستاذ عبد الوهّاب قُرى وجه بحري والصعيد من أوسع أبوابها، رغم محاولاته في ألحان مثل "يا وابور قُل لي" وغيره من الألحان.

إذن انتشر هذا اللحن حتّى أنّه أصبح اللحن الأمثل لتقليد الأستاذ حين أراد منير مراد افتتاح استعراض "حدّش شاف" الذي يقلّد فيه أغلب أهل النغم في عصره في فيلمٍ أنتجَتْه شركة الأستاذ نفسها التي أصدرت الأغنية، فهذا إذن بتمام رضا الأستاذ.

في إحدى حفلات أضواء المدينة، تغنّي ثرّيا حلمي، المضحكة المشهورة آنذاك، نفس اللحن مع فرقة نحاس وپيانو، فتحوّل معها اللحن من راست إلى ميجُر "major" كما أنّها أخذت جزءاً فقط من مذهب اللحن، وضمَّنَتْه لحناً آخر ينتقد لعب القمار ورهانات سباق الخيل، إلى آخره.، فهو لحن نقدٍ اجتماعيّ، لكن غناءه في أمسية أضواء المدينة لا يمكن أن يمرّ دون موافقة صاحب اللحن.

تقول كلمات الأغنية الهزلية من نظم صالح جودت: إنتَ إنتَ ولانتَشْ دارِي/ إنتَ إنتَ يا واد يا قِرارِي. وقد كانت ضمن أحداث فيلم سماعة التليفون إنتاج سنة 1951م. 

بينما تقول كلمات الأغنية الأصيلة من نظم حسين السيّد وألحان محمد عبد الوهاب: إنتَ إنتَ ولانتَش دارِي/ إنتَ إنتَ نعيمي وناري.

النصّ الجديد يبدو تماماً  معارضةً هزليّةً للنصّ الأصليّ على وزنه ورويّه ولفظه أيضاً. اللحن الجديد لمحمود الشريف، غناء عزيز عثمان، هذه الشخصيّة الجدليّة، البارع في الغناء الذي اختارته لجنة التسجيل في مؤتمر القاهرة الأوّل للموسيقى الشرقيّة، القاهرة، مارس 1932، لتسجيل أدوار أبيه، محمّد عثمان. لم يكن الاختيار كونه ابن صاحب اللحن، فأبوه قد مات وهو طفل، ولم يكن أيضاً ذائع السيط، فقد كان مطرباً مغموراً، لكن شهد له الأستاذ داود حسني، أقرب تلاميذ محمّد عثمان إلى نفسه وأنجبهم من وجهة نظره، شهد له أنّه أقرب الأصوات الموجودة لصوت أبيه، بل وأنّه يفوق أباه في إتقان الغناء، لكنّه لم يُعرف إلّا ممثّلاً هزليّاً أشهر مشاهده تلك التي تسخر من الغناء القديم، ويكون هو رمز المسخور منه، بعض هذه المشاهد لحّنها محمّد عبد الوهّاب، لكن هذه المرّة اللحن هزليٌّ معارضةً للحن رمز الغناء الجديد، فهل في هذا سرٌّ مخفيٌّ إلى الأبد؟

ظاهر الأمر أنّ محمّد عبد الوهّاب رفض إعطاء اللحن لاستعماله تضميناً في الفيلم المذكور، أو قد يكون الرفض لأيّ سببٍ آخر شخصيٍّ أو عمليّ، فانبَرَى محمود الشريف واضعاً لحناً آخر للكلام، من مقام النوا أثر هذه المرّة، وهو مقامٌ فرعيٌّ مقرّه نغمة راست، فهو قريب نغمة اللحن الأصليّ لكن ليس هو.

لا يشكّ أيّ سامعٍ، من اللحن وليس الكلام فقط، أنّ القصد معارضةٌ هزليّةٌ للحن عبد الوهّاب، في نفس الوقت، يستحيل على عبد الوهّاب رغم خضرمَتِهِ في القوانين، أن يقاضي صنّاع الفيلم أو الملحّن بشبهة السرقة.

كيف تمّ لصنّاع الفيلم مرادهم على يد محمود الشريف؟

هو ملحّنٌ مشهورٌ في زمانه، له ألحانٌ ذاعت عند الناس مثل ذيوع إنتَ إنتَ، بل ربّما أكثر، دخل لكلّ بيتٍ عربيٍّ بـ"رمضان جانا" قبل اللحن موضوع المقال بثمان سنوات، وهذا الثنائي بينه وبين الأستاذ محمّد عبد المطّلب أثرى الغناء زيادةً على ثلاثة عقود بنوعٍ من الغناء الدارج القريب للألحان الشعبيّة، لكنّه يرقى للتراكيب اللحنيّة للغناء الفصيح المقاميّ، فيذكّر بألحان السير الشعبيّة في بساطتها، ويذكّر بأدوار الحمولي وعثمان بتراكيبها اللحنيّة متناهية التفنّن والزخرف. 

لم يكن إتقان الصنعة فقط سرّ نجاح محمود الشريف في صياغة لحنه هذا المعارض للحن عبد الوهّاب، بل الذوق أيضاً وتحسّس مواطن الجمال. فنقطة انطلاقه لصياغة لحنه كان الغصن الثاني من لحن عبد الوهّاب الذي نحن بصدده، هذا الغصن مدخل الوجه الثاني من الأسطوانة الذي لا يكاد يُذاع في الراديو لضيق الوقت، وهو أقرب أغصان اللحن إلى قلبي:إنتَ الآه اللي باغنِّيها/ ويغنّوها الناس وَيّايَا.

يضع عبد الوهّاب لازمةً تسبق هذا الغصن من مقام النوا أثر، غيّر اللازمة مستغلّاً انتهاء وجه الأسطوانة الأوّل وضرورة توقّف السماع لقلب القرص ووضعه على وجهه الآخر.

انطلق محمود الشريف من هذه اللازمة وهذا الغصن مسرّعاً الإيقاع ليتوافق وسرعة لحن المذهب في لحن عبد الوهّاب، والنتيجة أنّ تبطيء الدورة الإيقاعيّة في الغصن الثاني من لحن عبد الوهّاب أثّرَت ظاهريّاً على سرعة العمل، لكن إيقاع وزن الكلمة ما زال على حاله، فتسريع نفس المنطق النغميّ أوحى إحساس المذهب المراد معارضته هزلاً، لكن من غير مقام بل ومن درجاتٍ أُخرى، وإمعاناً في الإيحاء للّحن الأصليّ، يصيغ محمود الشريف لحن غصن لحنه الجديد، وهو غصن اللحن الوحيد فاللحن لا يزيد على دقيقةٍ ونصف لقصر ألحان السينما حينذاك عموماً، ينتقل الشريف باللحن لنغمة اللحن الأصليّ الأمّ، راست، لكن يبقى على نفس منطق المخالفة في الدرجات، فإذا قارن المستمع بين: أنا واخِد عَلَى شُرْب الطَفْيَة/ كلّ ما بَاسْكَر سَكْرة يَنِّي.

بنظيرها في اللحن الأصليّ: إنتَ النار الّي محوطانِي/ واللي رْضِيتْ بِنَصِيبِي فِيها.

يجد أنّ اللحن الأصليّ يبدأ بالهبوط ثمّ يعاود الصعود في الشطر الثاني حيث بدأ، فيعاكس اللحن المعارض له فيبدأ بالصعود ثمّ يهبط في حركةٍ معاكسةٍ مستخدماً نفس الدرجات لكن بترتيبٍ آخر وصياغةٍ مغايرةٍ في النغم مطابقةٍ في الإيقاع الداخليّ.

طريقةٌ أُخرى في المداعبة بين اللحنين هي تغيير مواضع المظاهر:حبّيتها عَلَشانَكْ إنْتَ. مظهر راست من المقرّ أي الطبقة المنخفضة من النغمة: باشْرَبْها عَلَشانَكْ إنتَ. في اللحن المعارض من جواب نغمة الراست أي المنطقة العليا من النغمة التي تحتمل تبديل المظهر، فيبدّله بمظهر عشّاق، لكن تبقى النغمة راست على حالها.

هذان النهجان في المعارضة مكَّنا لمحمود الشريف أن يوحي للسامع أنّ هذا اللحن هو نفس لحن عبد الوهّاب، لكنّه ليس هو، وقطع الطريق على أيّ شبهة اتّهامٍ بالسرقة أو التعدّي على اللحن الأصليّ في نفس الوقت.

يُقال: ربّ ضارّةٍ نافعة، فحقوق الملكيّة التي جعلت حرّيّة تداول النغم محدودة، في حالتنا هذه، أَظْهَرَتْ لنا مهارةً جديدةً في معارضة الألحان، تلك المهارة التي تجعل محاولاً في النغم اعتاد عدم المبالغة في الوصف، وحياديّة البحث ما استطاع، أن يصف ملحِّناً أنّه عبقريٌّ فذٌّ جهل قومه سرّ عبقريّته، عن محمود الشريف أتحدّث.

لقد أظهر في هذه المعارضة النغميّة نوعاً جديداً ليس كمعارضة الأدوار بعضها بعضاً كما حدث في المعارضات الثريّة التي استمرَّت زُهاء عقدين بين إبراهيم القبّاني وداود حسني، بل المعارضة هنا حسبَت ألف حسابٍ لنظامٍ جديد، نظام الملكيّة الفكريّة، وتتمسّك في نفس الوقت بالبساطة رغم الاعتماد أصلاً على المسارات المعقَّدة للمقامات الفرعيّة.

نوعٌ جديدٌ من المعارضة يثبت أنّ الإيقاع ليس دورةً فقط، إنّما أهمّيّة الإيقاع الداخليّ وعلاقة النغمة بالتفاعيل وعروض الشعر هي أصل الإيقاع وهي الأهمّ والأبدا من الإيقاع الدوريّ على أهمّيّته.

عبقرية-الشريف-في-معارضة-عبد-الوهاب1
عبقرية-الشريف-في-معارضة-عبد-الوهاب2
128953085_3820159817995193_5632862595828211806_o

Copyright ©2021 Mustafa Said. All Rights Reserved. | created by Dahlia Rashad