توحّد | مصطفى سعيد ومجموعة أصيل

في حوار له عن الحفظ الموسيقي، يقول مصطفى سعيد إن “الموسيقى فن مسموع، فكيف ستكتب ما هو مسموع، مهما استطاع الشخص أن يصف لوحة لن يستطيع أن يصفها كما هي مرسومة“. لو صحّت الجملة السابقة، فهل من الجائز قراءة العمل الموسيقي نفسه باعتباره معارضة موسيقية لكتابة سابقة؟ أعني هل ذِكر إلهام اللحن مهم لقراءة تلك الموسيقى أم معيق له؟ ألا تشكّل تلك الإحالة إلى مقال توحّد نوعًا من تقييد آفاق التفسير أو توجيه السامع لقراءة العمل الموسيقي بوصفه محض ترجمة لمقال سياسي؟ أرّقني هذا السؤال قبل الاستماع وبعده.

رغم عنوانه الذي يحيلنا إلى مرض يعيق التواصل بين من يعانيه ومحيطه، لا يعجز توحّد عن التواصل مع المستمع بأي حال، بل يصيبه بحالة توحّد مع نغماته. هو إذاً عمل يناقض التعريف المذكور للتوحّد بوصفه “ضعف(اً) في التفاعل الاجتماعي وضعف(اً) في التواصل“1. في كثير من المواضع والجمل اللحنية يمارس العمل استيلاءً كاملًا على ذهن المستمع، وهو استحواذ مميز لكل تلك الموسيقى المقامية القائمة على سلطنة سميعها، استيلاء يستلزم أن يرفق بتحذير “يُحظر الاستماع على قادة المركبات وركاب المترو والحافلات“.

تنتظم وحدات العمل في أربع دورات متتابعة مرتبة ترتيبًا ألفبائيًا أ– عشيران2 ب– ارتجال جـ – شوبش د– نحن، ووحدة أخيرة منفصلة – متصلة بالدورة السابقة عليها (نحن) وهي تعتمد تسلسلًا نغميًا قائماً على البعد المتوسط الطبيعي أو مسافة ثلاثة أرباع النغمة حسب التعبير الشائع.

يفتتح العمل بدولاب من مقام العشيران، والدولاب هو قطعة استهلالية اعتاد موسيقيو عصر النهضة عزفها بدلًا من المقدمة الحالية. البدء بالدولاب هو تأطير لعمل الارتجال لمنع الخروج عن سَيْر اللحن. يتكرر هذا الدولاب ثلاث مرات، مرة سادة – بتعبير الآلاتية – ومرة مزخرفًا ومرة أخيرة بارتجال الآلات عليه. في المرات الثلاث يلتزم الدولاب بالسير التقليدي من بطيء إلى متسارع مع القفلة المفاجئة الممهدة للارتجال اللاحق. يتخلل الثلاث إعادات ارتجالان، أولهما للناي من مقام البياتي وثانيهما للعود من مقام العشيران، ويتغير الدولاب في كل مرة تأثرًا بالارتجال السابق عليه. يسود العزف في دورة العشيران شجنٌ خفيٌ تارة ومعلَنٌ تارة، حتى لو اختبأ في بعض الأحيان في صخب الإيقاع وتداخُل عزف الآلات معًا.

 

الدورة الثانية من دورات العمل هي ارتجال. الارتجال هنا ليس فرديًا حرًا فقط، بل ارتجال جماعي تجاوبي ما بين الآلات جميعها أيضًا، “وإذا كانت ميزة التخت التقليدي هي التمكين من تنفيذ التناغم الأفقي3 فإن عمل فرقة أصيل يعتمد، خصوصاً في هذا العمل، على تناغم أفقي واضح“. هذا التناغم الأفقي4، قائم على الغَزَل بين الآلات مختلفة الأجناس وبعضها البعض. تبدأ الدورة بارتجال منفرد من القانون يمارس غسان سحاب فيه كل الألعاب الممكنة باستدعاء أصوات حادة مختلفة غير شائعة لكسر أفق توقعات السامع، ثم يدخل العود لاحقًا في حوار مرتجل مع القانون. في هذا الحوار يستدعي العود حالة الحنين بتشابهه مع ألحان قديمة يُلمح العزف لها دون الوقوع في فخ اقتباسها، ثم تنتهي تلك الدورة بارتجال جماعي من الآلات كلها على دورة إيقاعية كبيرة ميزانها ١٢٨، وهو ميزان مبتكر مركب من وحدات إيقاعية أصغر وأكثر شيوعًا. في هذا الارتجال تمارس الآلات رحلة صوتية باستدعاء كل أطياف الشرق الممكنة، ويتذكر المستمع موسيقى المتوسط والتُرك والكرد والفرس وصولًا للهند وما ورائها، ثم تنهي الآلات رحلتها بعزف الطنبور البغدادي في رش رشيق راقص قبل القفلة المفاجئة، كأنه إعلان للعودة إلى مستقر الرحلة.

الدورة الثالثة هي الأكثر فرحًا واندماجًا وبهجة كما يوحي اسمها، “شوبش يا حبايب على العريس” تلك الجملة الموروثة من الأفراح القديمة، حين كان آلاتية التخت يدعون بها ضيوف العُرس لمنح النقوط، تبدأ تلك الدورة بتقسيم راقص من الناي من مقام الرصد – مش الراست كما يصحح لنا صانع العمل في كتيب الأسطوانة – ليمهد هذا التقسيم للشوبش اللاحق الذي يبدأه إيقاع تحية العريس التقليدية ليجيبه التخت ثم تدخل دورة الشوبش في علاقة حرة للرقص بين الآلات وبعضها. تُذكّر هذه الرقصة بزفة الولي في الموالد الشعبية أكثر مما تذكر بالرقص البلدي السينمائي التجاري، وتخرج كل آلة من عزلتها لتندمج مع اللحن في غَزْل جميل مليئ بالفرح كثوب ملون، ثم تنتهي بقفلة مفاجئة، والقفلة المفاجئة – الحراقة بالتعبير المصري الدارج – متكررة بشكل ما في وحدات العمل كله.

الدورة الأخيرة من العمل هي إعلان الهوية، اسمها نحن، تبدأ بارتجال حر من آلات الإيقاع. كل آلات الإيقاع المتاحة، دف ورق ودُمبك بل وحتى شوكات رنانة وجرس نحاسي. ارتجال يتحاور فيه العازفون مع آلاتهم ليخرجوا منها أصواتًا غير شائعة، وهو فعل استلزم التنبيه التالي في الكتيب المرفق: “لا يوجد أي تدخل كهربائي أو صناعي في هذا العمل“. هذا الارتجال الحر يستمر جماعيًا لتخرج الآلات أصواتاً غريبة تشنجية تحسب معها إنك في جلسة علاج نفسي جماعي. كل آلة في عالمها المنفصل متوحّدة مع عازفها الهَيمان في ملكوته كما يقول المصريون، وبرغم هذا الانفصال ما بين الآلات أثناء العزف فكلها منتظمة معًا، وهو أمر يُحسب لصانعي العمل. كل آلة تتحاور مع نفسها وتتحدى قدراتها الخاصة دون أن تَنشُز عن رفاقها أو تصارع الآلات المصاحبة. تنتهي تلك الدورة بعودة الآلات إلى حوار جماعي مع رأس المجموعة، العود، في علاقة خاصة ليست رئاسية تسلطية بل تشاورية تبادلية. يعود العود في أول الحوار لعزف لحن مثير للشجن والحنين، يذكر بحواره السابق المرتجل مع القانون في الدورة الثانية من العمل، لكن هذا الحوار سرعان ما يقطعه صخب الآلات جميعها.

يختتم العمل بدورة منفصلة متصلة مع الدورة السابقة سُمّيت: بعد متوسط طبيعي. يمكن تبسيط الدورة نظريًا كسلم مُلون يعتمد مسافة ثلاثة الأرباع – بحسب التسمية الشائعة التي يختلف معها صانع العمل ويعتبرها خاطئة – في هذا السلم تتكرر ثمان نغمات مع جواب النغمة الأولى لا سبع نغمات مثل المقامات العادية. أظن أن هذه الدورة الختامية هي الأكثر جرأة، وهي رغم جرأتها غير منفرة لسامعها الذي لا يحس بأي تركيب غريب على أذنه. هي جرأة تُحسب لصانع العمل بلا شك، ومحاولة نظرية أصيلة من المبكر الحكم عليها من لحن واحد، أتمنى أن يكررها مصطفى سعيد مستقبلاً باستخدام درجات ركوز مختلفة.

الإلهام والإسناد
ما هي علاقة العمل بالمقال المذكور غير العنوان المشترك؟ كان هذا سؤالي الأول قبل الاستماع، أما بعده فقد حصلت على إجابة غير شافية. أظن أن مصطفى سعيد لديه هاجس الإحالة والانتساب ككل مجدد أصيل. هاجس الإسناد بتعبير آخر. يتشارك العمل مع المقال هاجس البحث عن الأجمل والأفضل لا الأسهل، هذا صحيح، لكن آفاق عمل موسيقي تختلف تماماً عن مقال سياسي. غاية سؤالي هو تخوفي الشخصي من إغلاق آفاق التفسير أمام هذا العمل الموسيقي المميز.

على سبيل المثال، مارست لعبة قائمة على الارتجال أثناء الاستماع فأعدت ترتيب الوحدات المُكونة للعمل. وضعت دولاب العشيران المزخرف محل الشوبش واستمعت، ووضعت الشوبش قبل الارتجال الجماعي المنفرد على ميزان ١٢٨ وأنصتّ، كانت لعبتي محاولة لبعثرة العمل وإعادة ترتيبه، لكني لاحظت أن تقسيم العمل لم يكن اعتباطيًا أبدًا ولا وليد عفو الخاطر، فإذا كان من الممكن الاستماع لدواليب العشيران المتتالية مع حذف ارتجالي الناي والقانون، أو الاستماع إلى بعد متوسط طبيعي وحده، فلا يمكن الاستماع إلى شوبش دون الاستماع إلى علاقة رقص حرة التالية له. هذا أفق لعب محتمل لا يُغلق آفاق أخرى محتملة، ولا يغلق الباب أمام ارتجالات شتى ستحدث آجلًا أم عاجلًا خلال عزف العمل على جمهور متلق واعٍ ومحاورة العازفين مع ذلك الجمهور.

تلك الموسيقى في توحّد تحمل سلطنة شجية خاصة، أخشى عليها من تقييد آفاق الاستماع بتفسير متعسف، فحتى لو كان الملهم لتلك الموسيقى مقالٌ سياسي لا ينبغي اعتبارها مجرد ترجمة مباشرة له.

من النواة
يمثل توحّد عملًا فنيًا ناضجًا في مسيرة مصطفى سعيد ومجموعة أصيل، يقوم على أنواع مختلفة من الارتجال الحر الفردي والجماعي5، ويصعب فهمه دون الرجوع لخلفية مصطفى سعيد ومجموعة أصيل.

“تأسّست مجموعة أصيل عام ٢٠٠٣؛ بهدف أداء موسيقى عربيّة جديدة معاصرة على مبدأ التطوير من الداخل؛ أي الاعتماد على التراث الموجود لدينا، ليس لإعادة أدائه أو نسخ القوالب أو الضروب، وإنّما لصنع الجديد مطوّراً منه“. التطوير من الداخل هو ما جعل المجموعة تعتمد على آلات مقامية بالأساس، إما عربية مثل العود (بمختلف طبقاته) والناي والقانون والسنطور، أو مُعربة مثل عائلة الكمان (الصغير والوسط والكبير). دون الالتجاء إلى آلات أخرى عاجزة عن آداء المقامات الشرق–عربية، تلجأ المجموعة لتوسعة آفاق الآلات المتاحة نفسها، فلا تستعير الجيتار الإسباني أو جيتار القرار (البايس) طالما من الممكن عزف نفس الطبقتين من عودين مختلفي الحجم، وهي تجربة مختلفة عن “محاولات العصرنة التي نفذت من عشرات السنين وكانت مرادفًا للتغريب“.
يكتب مصطفى سعيد، الباحث المتميز ومن المعدودين في حقل الموسيقى العربية، والذي يتطور بخطى منتظمة حتى لو شابها بعض العثرات، في كتاب إلى القصبجي:

“لا أعرف ماذا كان قولي وفعلي لو كنت في عصرك، لكنّي أخالفك الرأي، وأشاركك حبّ التجربة. أريد مثلك لموسيقانا أن تتطوّر، لكنّي أريدها أن تتطوّر من نواتها.”

التطور من نواة الموسيقى العربية ذاتها هو مفتاح مهم لقراءة كل أعمال مصطفى سعيد، وخاصة عمله الأخير توحّد، الأنضج من سابقيه، إذ يتضح فيه إلى أي درجة يكون مصطفى سعيد مقيداً في أعماله المغناة مقارنة بمقطوعاته. في أغانيه السياسية يهبط مصطفى سعيد بفنه لمستوى خطابي مباشر، وفي رباعيات الخيام اختار ترجمة أحمد الصافي النجفي الصعبة حتى على القارئ ليصنع منها عملًا لم يكن موفقاً في نظري، على العكس من اسطوانة أصيل التي كانت خطوة جيدة في تطوره لكنها بقيت مدرسية ملتزمة بالقوالب المعروفة. في توحّد يتواصل مصطفى سعيد أكثر فأكثر مع صوته الداخلي ولحنه الذاتي ويبدو ذلك واضحًا في عدم اختيار أي قالب موسيقي معروف لمكونات العمل – باستثناء الدولاب – ولذلك فمن حقه علينا أن ننصت لهذا العمل بتأن واهتمام، في غرفة مغلقة وباستخدام سماعات أذن جيدة، فهو ليس كغيره من الموسيقى التي نشغلها كخلفية مصاحبة لأحداث حياتنا اليومية. حق مصطفى سعيد وزملاؤه علينا أن نستمع جيدًا إلى هذا العمل، قبل أن نحكم عليه من عنوانه.

ياسر عبدالله

نشر في معازف

التعليقات مغلقة